الحكواتي… فن يستحضر حكايات الماضي وعبق التراث

يُعدّ فن الحكواتي من أقدم الفنون الشعبية التي عُرفت في بلاد الشام، حيث ارتبط بالمقاهي واللقاءات الاجتماعية التي كانت تجمع الناس للاستماع إلى الحكايات والقصص التراثية. ويبدأ الحكواتي روايته عادةً بعبارته الشهيرة: «كان يا ما كان في قديم الزمان»، ليستحضر من خلالها عوالم التاريخ والسير الشعبية. وقد عُرف هذا الفن بتسميات مختلفة في بلدان عدة، ففي تركيا يُسمّى «المكلا»، وفي الجزائر «القوّال»، بينما يُعرف في سوريا ومصر باسم «الحكواتي»، وفي العراق باسم «المحدّث».

يقوم هذا الفن على سرد الوقائع التاريخية والحكايات الشعبية التي تتناول شخصيات عُرفت بالحكمة والشجاعة والمعرفة، إلى جانب قدرة الحكواتي على جذب الجمهور بأسلوبه المشوّق وحركاته التعبيرية ونبرة صوته المؤثرة. وقد صنّفت منظمة «اليونسكو» فن الحكواتي ضمن قائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية، لما يحمله من قيمة ثقافية وتراثية كبيرة.
«العروبة» التقت الممثل المسرحي محمد خير كيلاني، أحد أبرز الحكواتيين في مدينة حمص، للحديث عن هذا الفن العريق وتجربته في الحفاظ عليه.

البدايات
أوضح كيلاني أن فن الحكواتي كان من الفنون التي مارسها منذ سنوات، إذ اعتاد سرد الحكايات في المقاهي خلال شهر رمضان المبارك، متناولاً قصص التاريخ والسير الشعبية. وكان الحضور يستمعون بشغف إلى حكايات الفتوحات والمعارك وسير الأبطال ومفاخر الفرسان، في سردٍ يجمع بين التشويق والعبرة والموعظة.

وأضاف أن «الحاكي» يجمع في أدائه بين صفات الممثل والخطيب والراوي في آنٍ واحد، ويعتمد على ثقافته الواسعة وقدرته التعبيرية من خلال الإيماءات والحركات ونبرة الصوت، إلى جانب استخدام الكلمة المنطوقة بأسلوب فني مؤثر، الأمر الذي يجعل من القاصّ في التراث الشعبي «الجدّ الأول للحكواتي».

تقوية الروح العربية
وأشار كيلاني إلى أن للحكواتي دوراً مهماً في ترسيخ الروح العربية في الوجدان الشعبي، إذ يسهم في استنهاض الهمم وإذكاء روح الحماسة والتضحية والاعتزاز بالذات، فضلاً عن ترسيخ القيم الأخلاقية والدعوة إلى التمسك بالفضائل والمبادئ.

الحكواتي في الذاكرة الحمصية
وبيّن أن الذاكرة الشعبية في مدينة حمص ما تزال تحتفظ بصور الحكواتي في عدد من المقاهي القديمة، مثل مقهى «الجنينة» في سوق الخضار ومقهى «باب التركمان»، حيث كان الناس يجتمعون للاستماع إلى قصص الأبطال وحكايات الفرسان.

وأضاف أن هذه المهنة موغلة في القدم وتتطلب مهارة في الأداء والمحاكاة، إذ ينجح الحكواتي في شدّ انتباه الجمهور عبر تعابير وجهه وحركات جسده ونبرة صوته. وفي لحظات الحماس قد يضيف إلى الرواية شيئاً من الارتجال، ما يجعل كل عرض مختلفاً عن الآخر ويمنحه طابعاً من التفاعل والتشويق. وغالباً ما تُروى الحكاية على شكل سلسلة من السرد الليلي تمتد طوال أيام شهر رمضان.

تنمية مهارات الأطفال
ولفت كيلاني إلى أن لهذا الفن دوراً تربوياً مهماً بالنسبة للأطفال، إذ تسهم القصص التي يرويها الحكواتي في نقل الدروس والعبر وتعزيز مهارات النطق والإنصات لديهم، إلى جانب تنمية خيالهم وتشجيعهم على اكتشاف مواهبهم وتطويرها.

تراجع فن الحكواتي
وأوضح أن من أبرز أسباب تراجع حضور الحكواتي ظهور وسائل الإعلام الحديثة، بدءاً من التلفاز الذي حلّ مكانه في المقاهي، مروراً بالفضائيات، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعل هذا الفن يتراجع تدريجياً ليصبح اليوم أحد مظاهر التراث الشعبي أكثر منه ممارسة يومية.

دمج الأصالة بالمعاصرة
وأكد كيلاني أن الحفاظ على هذا الفن في ظل التطور التكنولوجي يتطلب دمج الأصالة بالمعاصرة، من خلال تحديث القصص بما يتناسب مع العصر، والاستفادة من الوسائط الرقمية للوصول إلى فئة الشباب، إلى جانب تنظيم ورشات تدريبية لتعليم الأجيال الجديدة فنون الإلقاء وتقمص الشخصيات، وتفعيل حضور الحكواتي في الفعاليات الثقافية والمقاهي التراثية.

ويبقى فن الحكواتي واحداً من الفنون التي تختزن سحر الشرق وأصالة التاريخ، إذ يشكّل جسراً ينقل الموروث الشعبي والقيم الاجتماعية عبر الأجيال، ويسهم في توثيق الحكايات الشعبية والتاريخية وتعزيز الهوية الثقافية في المجتمع.

العروبة – رهف قمشري

المزيد...
آخر الأخبار