الأدب في زمن الثورة.. الكلمة التي حفظت الذاكرة السورية

خمسة عشر عاماً مرّت على انطلاقة الثورة السورية، أعوام حفرت أحداثها عميقاً في ذاكرة السوريين، ولم تتوقف أصداؤها عند حدود الميدان، بل امتدت إلى الكلمة أيضاً. فمع انحسار أصوات المعارك، بقي الأدب شاهداً على تلك المرحلة، يوثّق التجربة الإنسانية بما حملته من وجع وصمود وتحولات.

في زمن التحولات الكبرى، لم تكن الكتابة فعلاً ثقافياً عابراً، بل غدت مساحة لحفظ الذاكرة وصياغة الحكاية التي عاشها السوريون. وبين القصيدة والمقال والرواية، حاول الكتّاب التقاط معنى ما جرى وتوثيقه بالكلمة، لتبقى النصوص شاهدة على تلك المرحلة، وجسراً يربط الذاكرة بالحاضر.

وفي هذا السياق، تروي أديبات سوريات تجاربهن مع الكتابة خلال سنوات الثورة، وكيف تبدلت علاقتهن بالكلمة، لتتحول من تعبير فردي إلى شهادة أدبية تحفظ تفاصيل التجربة السورية وتبقيها حيّة في وجدان الأجيال القادمة.

رئيسة فرع حمص لاتحاد الكتاب العرب عبير النحاس أشارت لـ “العروبة” إلى أن تجربتها مع الكتابة شهدت تحولاً واضحاً خلال سنوات الثورة، حيث انتقلت من مساحة يغلب عليها الرثاء ومحاولات الصمود إلى كتابة تسعى إلى تخليد التجربة الإنسانية التي عاشها السوريون.

وبيّنت أنها كتبت خلال تلك السنوات العديد من المقالات التي وثّقت رموز الثورة وأحداثها في صحف عربية وتركية، كما قدّمت، بصفتها أماً لشهيد، مقالات لامست أوجاع الأمهات، محاولة أن تكون صوتاً يشاركهن الألم والثبات.

وأضافت النحاس أنها سعت أيضاً إلى تقديم صورة أكثر تفاؤلاً عن الثورة، فكتبت رواية لليافعين بعنوان “ثورة الدمى”، محاولةً تقديم مفهوم الثورة بطريقة تحمل الأمل وتخاطب الأجيال الجديدة.

وأوضحت أنها تواصل الكتابة في الصحافة التركية ناقلةً التطورات التي وصل إليها الشعب السوري، الذي يرى في الجارة تركيا شريكاً في تطلعاته، كما بدأت العمل على كتابة قصص موجهة للأطفال واليافعين بهدف غرس قيم الهوية والكرامة في نفوسهم وحمايتهم من النسيان أو التزييف.

وأكدت النحاس أن هذا المسار لا يكتمل إلا بالاستمرار في توثيق حكايات النساء السوريات اللواتي كنّ، وما زلن، العمود الفقري للثورة، معتبرة أن النتاج الأدبي يشكل ميثاق شرف يُترك للأجيال القادمة ليعرفوا أن ما جرى لم يكن مجرد حدث عابر، بل تجربة إنسانية وثّقتها الأقلام كما عاشها أصحابها.

من جهتها، رأت الشاعرة سمية جمعة أن الثورة شكّلت نقطة انطلاقة جديدة للمشهد الأدبي، إذ ظهرت وجوه وشخصيات أدبية كانت موجودة في السابق لكنها لم تحظَ بالتمثيل الذي يليق بها.

وأوضحت جمعة  للعروبة ، أن كثيراً من النتاج الأدبي، من روايات ودواوين شعر، بقي لفترة طويلة بعيداً عن الضوء قبل أن يجد طريقه اليوم إلى القرّاء، كاشفاً عن تجارب إنسانية عميقة سجّلها الأدب خلال سنوات الثورة، وعكس من خلالها ما عاشه المجتمع من تحولات وتحديات.

وبيّنت أن الندوات التي تُنظَّم في المركز الثقافي على هامش مناقشة الكتب وتسليط الضوء على تفاصيلها تشكّل مساحة حيوية للحوار الثقافي، إذ تجمع الكتّاب والمثقفين رغم اختلاف وجهات نظرهم، وتسهم في تنشيط الحراك الأدبي وتعزيز التواصل بين الفاعلين في المشهد الثقافي.

وأعربت جمعة عن أملها بأن يشهد المشهد الثقافي في المرحلة المقبلة خطوات أكثر اتساعاً، وأن تقوم معايير العضوية في الهيئات الثقافية على تاريخ الكاتب ومنجزه الإبداعي، بما يفسح المجال أمام الطاقات الأدبية الحقيقية للظهور والتعريف بإنتاجها.

بدورها، قدّمت ريناز جحواني، نائب مدير المركز الثقافي عام 2025 والمتطوعة في شؤون الشباب والمحاضرة الجامعية، شهادة أدبية رأت فيها أن الثورة السورية لم تكن حدثاً عابراً في تجربتها الكتابية، بل لحظة أعادت تشكيل علاقتها بالكلمة.

وأشارت إلى أن قصائدها خلال تلك السنوات كانت مثقلة بمفردات الفقد والموت، حتى كاد قاموسها الشعري يضيق بها، معتبرة أن الدفاتر كانت الجدران الوحيدة التي لم تسقط فوق رؤوس السوريين، والملاذ الذي رمموا فيه شتاتهم حين استعصى الدمع على العيون فتحول إلى حبر ينساب بين الأصابع.

وبيّنت  للعروبة، أن ذلك انعكس في عناوين قصائدها خلال تلك الأعوام، مثل “العمر شيء والحياة شيء آخر”، و”مركب الموت”، و”ميراثك يا وطن”، و”قبس من أسى”، وغيرها.

وأضافت أنها تقف اليوم عند ذكرى الثورة وهي تستشعر عمق التحول الذي عاشه السوريون، مؤكدة أن المعجزة لم تكن في النجاة فقط، بل في نجاة الحروف واستعادة المعنى الحقيقي للحياة خارج أروقة الخوف.

وختمت بالقول إنها تحاول اليوم أن تخلع عن قصيدتها ثوباً توشّح بالدماء طويلاً لتكتب “الأمل الصرف”، إيماناً بأن من استطاع أن يحرر قلمه وسط الركام قبل أن تتحرر بلاده، قادر اليوم على كتابة ملامح الفجر بمداد الحرية.

وهكذا تعكس هذه الشهادات حضور الكلمة في مسار الثورة السورية بوصفها مساحة للتعبير عن التجربة الإنسانية وتوثيق تفاصيلها.

فالأدب لم يكن بعيداً عن نبض المجتمع، بل شارك في حفظ الذاكرة وصياغة الحكاية التي عاشها السوريون، لتبقى النصوص شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، ورافداً ثقافياً يضيء للأجيال القادمة معاني الصمود والتحول.

العروبة – سلوى الديب

 

المزيد...
آخر الأخبار