رغم ما تختزنه من معالم أثرية تعود لحضارات متعددة، ما تزال قرية حوارين في ريف حمص بعيدة عن الاهتمام والاستثمار السياحي، في ظل قيمتها التاريخية والثقافية الكبيرة.
موقع استراتيجي وتاريخ عريق
أوضحت رئيسة دائرة التنقيب في متحف حمص تريز ليون في تصريح لصحيفة العروبة أن قرية حوارين تتبع لناحية مهين على بعد نحو 80 كيلومتراً من مدينة حمص، في منطقة تشكل صلة وصل بين البادية والسهول، ما منحها أهمية استراتيجية عبر التاريخ، إذ كانت محطة للحضارات ومركزاً لحاميات عسكرية تحمي حدود الإمبراطوريات المتعاقبة.
وأضافت أن اسم القرية يُعتقد أنه مشتق من “الحواريين” في إشارة إلى الرسل، ما يعكس بعدها الديني، خاصة مع الروايات التي تتحدث عن وجود قبر لأحدهم فيها، الأمر الذي جعلها مقصداً للزوار من مختلف الأديان.
كنوز أثرية مدفونة
وبيّنت ليون أن حوارين تكشف، رغم محدودية أعمال التنقيب، عن ثراء أثري لافت، حيث لا تزال أجزاء واسعة من آثارها مطمورة تحت بيوت السكان، ما يجعل كل عملية حفر فرصة لاكتشافات جديدة.
ومن أبرز معالمها حصن حوارين، وهو بناء ضخم كان ديراً قبل أن يتحول إلى قصر في العصر الأموي، ولا يزال قائماً بجدرانه العالية، إلى جانب بقايا الكنائس السبع التي لم يتبقَّ منها سوى اثنتين، أبرزها كنيسة جعارة وكنيسة الرهبان، إضافة إلى معبد قديم تحول من وثني إلى كنيسة في العصر البيزنطي.
وأشارت إلى وجود الأقنية الرومانية، وهي شبكة مائية متقنة كانت تروي الأراضي الزراعية وتمتد نحو مواقع أثرية أخرى، ما يعكس تطور البنية التحتية في تلك الحقبة، إلى جانب دور حوارين كنقطة دفاع متقدمة ضمن شبكة التحصينات الرومانية والبيزنطية.
ومع دخول العصر الإسلامي، اكتسبت القرية أهمية جديدة، إذ اتخذها الخليفة الأموي يزيد بن معاوية مصيفاً ومقراً له، ويُروى أنه توفي فيها، تاركاً إرثاً تاريخياً ما زال حاضراً في ذاكرة المكان، خاصة في ما يُعرف بقصر يزيد.
إمكانات سياحية تنتظر الاهتمام
ولفتت ليون إلى أن أهمية حوارين لا تقتصر على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى ما تملكه من مقومات سياحية واعدة، من بينها ينابيع المياه الكبريتية وقربها من مواقع أثرية أخرى، ما يؤهلها لتكون محطة ضمن مسار سياحي متكامل.
إلا أن هذه الإمكانات ما تزال غير مستثمرة بالشكل المطلوب، في ظل غياب خطط ترميم شاملة، رغم الجهود المحدودة التي تبذلها الجهات المختصة للحفاظ على ما تبقى من معالمها.
حوارين… نموذج للتعايش عبر العصور
وأضافت ليون أن آثار القرية تعكس استمرار الوجود المسيحي إلى جانب الحضارة الإسلامية، في صورة واضحة للتعايش والتنوع الثقافي الذي ميّز المنطقة عبر التاريخ، حيث شكّلت حوارين فضاءً إنسانياً جمع بين الأديان والحضارات.
وتبقى حوارين موقعاً أثرياً مهماً يستدعي مزيداً من الاهتمام والاستثمار، بما يضمن الحفاظ على إرثها التاريخي وتعزيز حضورها ضمن الخارطة السياحية في محافظة حمص.
العروبة – ابتسام الحسن