تختزن مهنة “الدومري” في الذاكرة الشعبية صوراً حاضرة، بوصفها رمزاً للأصالة وامتداداً لحقبة ارتبطت بحياة الناس اليومية في المدن القديمة، حيث كان الرجل الذي يتولى إنارة الأزقة والحارات جزءاً من تفاصيل المكان، حتى بات اسمه حاضراً في التعابير الشعبية مثل “ما في الدومري”، في إشارة إلى خلو المكان من الناس.
جذور تاريخية للمهنة
وأوضح المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية، في تصريح لـ”العروبة”، أن مهنة الدومري تعود إلى أصول تركية، وظهرت خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حين كانت وسائل الإنارة تعتمد على السراج الفخاري الذي يُملأ بالزيت وتوضع فيه فتيلة لإضاءة المنازل والشوارع.
وأضاف أن وسائل الإنارة تنوعت آنذاك بين الشموع في البيوت الكبيرة، التي كانت تُثبت على شكل حُزم أو توضع في شمعدانات نحاسية، وبين القناديل المعدنية الصغيرة التي تُملأ بزيت الزيتون وتُضاء بفتيل قطني يمنح نوراً خافتاً.
صفات الدومري ومكانته الاجتماعية
وأشار الدويري إلى أن الدومري لم يكن مجرد عامل إنارة، بل شخصية موثوقة داخل الحي، يُشترط أن يتمتع بسمعة طيبة وثقة الأهالي، إضافة إلى بنية جسدية تمكنه من السهر ليلاً ومراقبة الفوانيس.
ولفت إلى أن الأهالي كانوا يحيطونه بعناية خاصة، تقديراً لجهوده، إذ كانوا يقدمون له الطعام والشراب لمساعدته على تحمل مشقة العمل في ساعات الليل الطويلة، ما يعكس طبيعة العلاقة الاجتماعية المتينة التي ربطته بالمجتمع.
دومري البلدية
وبيّن أن القناديل كانت تُعلق في الشوارع وعلى الجدران خلال المناسبات، ومع تطور التنظيم، أصبح لكل حي شخص مكلّف بإشعال الفوانيس التي تُملأ بالكاز وتُثبت على ارتفاعات محددة. وكان الدومري يبدأ عمله قبيل الغروب، ويستمر حتى ساعات الفجر الأولى لضمان استمرار الإنارة وسلامة المارة.
إرث باقٍ رغم الاندثار
وفي ختام حديثه، أكد الدويري أن هذه المهنة، رغم اندثارها مع دخول الكهرباء وتطور وسائل الإضاءة، ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية، بوصفها رمزاً لمرحلة اتسمت ببساطة الحياة وروح التكافل الاجتماعي في بلاد الشام.
العروبة – رهف قمشري