تقدّم رواية “حين بكت الفَرَس” للكاتب السوري محمد السلطان تجربة روائية تنفتح على التاريخ لا لاستعادة وقائع الماضي فحسب، بل للإطلالة على الحاضر أيضاً، من خلال العودة إلى السنوات المضطربة التي سبقت سقوط القدس بيد الصليبيين عام 1099م.
في الرواية ينسج الكاتب عالماً روائياً مشبعاً بالقلق والانكسار والتحولات النفسية التي تصيب الإنسان حين تتصدع القيم، وتنهار الثقة بالعالم من حوله.
يمزج الكاتب في روايته بين السرد التاريخي والتأمل النفسي، دون أن تتحول إلى إعادة توثيق حرفية للأحداث، فالتاريخ هنا ليس خلفية جامدة، بل فضاء حيّ تتحرك داخله الشخصيات وتنكشف عبره هشاشتها الإنسانية وأسئلتها الوجودية.
شخصية تتآكل بين الفروسية والخذلان
ينجح الكاتب منذ الصفحات الأولى في بناء فضاء روائي كثيف بالتفاصيل، تتجاور فيه المدن القلقة والقلاع المتنازع عليها والجيوش التي تتحرك فوق أرض مثقلة بالخوف والانقسام.
وفي قلب هذا العالم تظهر شخصية “مسعود السلجوقي”، الذي لا يقدَّم بطلاً تقليدياً يمتلك اليقين المطلق، بل إنساناً ممزقاً بين قيم الفروسية والانتماء للدولة السلجوقية، وبين شعور متنامٍ بالخذلان أمام الانقسامات السياسية والعسكرية التي مهدت لتقدم الصليبيين.
وتتابع الرواية التحولات الفكرية والنفسية لمسعود بوصفها عملية بطيئة ومؤلمة، إذ يقوده فقدان الثقة بالعالم الذي آمن به إلى الانجذاب التدريجي نحو جماعات الحشاشين، في معالجة تحاول فهم الظروف الفكرية والسياسية التي تدفع الإنسان إلى تبديل قناعاته ومساره، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو التبسيط المباشر، مستحضراً فكرة أن الانقسام الداخلي قد يكون أكثر فتكاً من الحروب نفسها.
الحب بوصفه محاولة أخيرة للنجاة
إلى جانب البعد التاريخي والنفسي، يمنح الكاتب مساحة واضحة للجانب الإنساني والعاطفي عبر العلاقة بين مسعود وفاطمة، التي تشكل القلب الوجداني للرواية، بوصفها محاولة هشة للتمسك بالحياة وسط عالم يتداعى من حول الشخصيات.
فاطمة تبدو رمزاً لما تبقى من الطمأنينة والتوازن الإنساني، في مقابل انجراف مسعود نحو العنف والشك والأسئلة القاسية، ولهذا جاءت العلاقة بينهما مشبعة بالصمت والخوف والحنين أكثر من التصريحات المباشرة، وكأن الحب هنا يحاول أن ينقذ ما تبقى من الإنسان في زمن فقد توازنه الروحي والأخلاقي.
لغة شاعرية وبناء بصري حيّ
على المستوى الفني، تعتمد الرواية لغة وصفية مشبعة بالنبرة الشعرية، ولا سيما في مشاهد الحرب والفقد والحنين، حيث استطاع الكاتب أن يوازن بين البعد التاريخي والبناء الأدبي دون أن يقع في جفاف المادة التوثيقية.
كما جاء التنقل بين مدن مثل القدس وأنطاكية وحمص سلساً وغنياً بالتفاصيل البصرية والزمانية، بما يمنح القارئ إحساساً حياً بالمكان وروحه التاريخية، أما عنوان الرواية “حين بكت الفَرَس” فيحمل دلالة رمزية كثيفة، تختزل حالة الانكسار التي أصابت الإنسان والأرض والفروسية في تلك المرحلة، ليغدو البكاء هنا بكاء زمن كامل فقد توازنه.
الانقسام أخطر من السيف
وأوضح الروائي محمد السلطان في تصريح لـ سانا الثقافية، أن الرواية تنطلق من فكرة أن “أكثر ما أسقط المدن لم يكن السيف، بل الانقسام والخذلان، وفقدان الإنسان لإيمانه بمن حوله”.
وأضاف السلطان: إن العمل يحاول التذكير بأن الحروب “لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر البشر من الداخل أيضاً، وقد تدفعهم أحياناً إلى طرق لم يتخيلوا يوماً أنهم سيسلكونها”.
ولا تنفصل هذه الرؤية الفكرية عن التجربة الأدبية للكاتب نفسه، إذ ينتمي محمد السلطان إلى جيل أدبي سوري انشغل بتأثيرات الحرب واللجوء والفقد على الإنسان، محاولاً تحويل هذه التجارب إلى مادة روائية ذات أبعاد نفسية واجتماعية.
والسلطان كاتب ومدوّن سوري من ريف إدلب، من مواليد عام 1995، يعمل محاضراً في جامعة إدلب ضمن قسم العلوم الصحية، ويتابع دراسته الأكاديمية في كلية العلوم السياسية، وقد صدر له سابقاً كتاب “ندبات… حكايات من الوجع السوري” عام 2020، ثم رواية “رماد الذاكرة” عام 2021، إضافة إلى رواية “يقين”، وتتميز أعماله بالتركيز على التحولات النفسية والاجتماعية التي تتركها الحروب في الإنسان، مع اهتمام واضح بالتاريخ والهوية والصراع الداخلي.
يشار إلى أن الرواية، صادرة عن دار الرموز العربية عام 2026، وتقع في 299 صفحة من القطع المتوسط.