أذكر أن الشاعر مصطفى خضر- طيب الله ثراه – كان معجبا بالأديب حنا عبود ناقدا متميزا وكان يدعوه : كريستوف كولومبس- النقد ، وللناقد حنا عبود مقولة مضمونها : لاشعر بلا رؤيا – وردت في كتابه الهام الذي نفد منذ سنوات وسنوات – النحل البري والعسل المر – .
واليوم وقد رحل الشاعر الصديق مصطفى خضر بصمت وبعد صمت أعود إلى رؤاه الناضجة التي صديد واقعها الأنوف اليوم وتقشعر له الأبدان والشاعر مصطفى خضر في مجموعته – حجارة الشاعر- التي صدرت ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب عام ثلاثة بعد الألف ، يؤكد في القصيدة الأولى :
– وحده الشاعر .. وحدك الشاعر – هذا الدور الرؤيوي ، فيقول:
– وحده الشاعر من يصغي
إلى البذرة والتربة والقطرة
من يصغي إلى الأنثى، إلى الطفل
ومن يصغي إلى الفطرة والينبوع والريح ..
فمن يصغي سواه ؟!..
فالشاعر صاحب رؤيا لأن عملية الخلق تتم تحت سمعه وتأمله وهذا الخلق بعناصره الثلاثة : التربة ،البذرة والماء كما أنه يصغي إلى عملية تكون الجنين ، ويصغي إلى الطبيعة بفطرتها.. بينبوعها ورياحها.. وإذا الشاعر لم يصغ فمن يصغي سواه ؟! .
إنه بملكته الداخلية المعبر عنها بالإصغاء بانتباه، يفعل مايحلو له إذا امتلكت أولى قواه أجنحة، يكتب ما لا يكتب ، يخطو كائناً مختلفاً حراً ويختار رؤاه،والشاعر مصطفى خضر اختار رؤاه .
ومن هذه الرؤى ما جاء في قصيدة- ربيع مذبحة بريشة رأس المال .
في الصفحة الثالثة والستين بعد المئة :
– هل يكتب التاريخ رأس المال في سوق مقدسة
شفافية توسعها ، وتنذر بالخطر
أم يرسم التوراة ثانية بشكل مختصر
ويعيد في التكوين والأسفار والرؤيا النظر
رأس المال يحاول أن يكتب التاريخ يختصر التوراة في الوعود المزعومة بأرض فلسطين ، أرض اللبن والعسل،ويعيد النظر في الأسفار، ولكن الشعوب المقاومة تقاوم كتابه رأس المال للتاريخ وفق ما يريده – يهوه- رب الجند – ولذلك لابد من الطوفان :
وليدمج الأحياء بالأموات طوفان
إذا ماكان إعلان يفيق عبيده!
مادام يحرسه هوى رب الجنود بمتعة
ويقوده
بين المصارف والمتاحف والعروش والجيوش
ويهتدي رسل به،والأنبياء جنوده !
إذا فتش عن رأس المال الذي يقوده رب الجنود بمتعة بين المصارف والمتاحف وعروش الملوك وجيوش الديوك لتدمير العالم، وكأني بالشاعر مصطفى خضر تلمس في رؤاه ما دعي- زوراً وبهتاناً – الربيع العربي وما جره من قتل ودمار وأنقاض فوق أنقاض، قبل عشر سنين من انطلاقته مع – برنار هنري ليفي – الفيلسوف الفرنسي الصهيوني والسفير الأمريكي في دمشق- فورد:
– أهو الربيع يضاعف الأنقاض
– والأنفاس تزحمها الأسرة ،
– والأسرة أضرحة
– وكأنما التدمير يعني الخلق فيها ،
– والفطام هو الرضاعة!
وإذا ، فأية خضرة ، نزفت؟
ومن يرعى الكواكب والقمر؟
وهل الفصول سوى أثر –
نعم ياأبا ميلاد لقد نزفت الخضرة حتى اليباس ، وأصبحت الأسرة أضرحة ، وكانت الرؤى ناضجة، ولكنني توقعت رؤى جديدة معاكسة أبعد من الصمت!!.
د . غسان لافي طعمة