مع رحيل نظام الاستبداد، تقف سوريا اليوم على عتبة تاريخية جديدة، مرحلة لا تُقاس فيها التحديات بحجم الدمار فقط، بل بقدرة السوريين على تحويل الألم إلى طاقة بناء، والخراب إلى فرصة نهوض, فالأوطان لا تُستعاد بالشعارات، بل تُبنى بالعمل، ولا تنهض بالوعود، بل بالاعتماد على مواردها وسواعد أبنائها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السوري، رغم القهر والحرب، ظل متمسكاً بأرضه، وبخبرته، وبإيمانه بأن هذه البلاد قادرة على النهوض من جديد, ومن هنا، فإن مشروع إعادة بناء سوريا يجب أن ينطلق من ثرواتها الحقيقية، وفي مقدمتها الثروة الزراعية والحيوانية وقطاع الإنشاءات، بوصفها ركائز أساسية لاقتصاد منتج ومستقل، وقادر في الوقت نفسه على تخفيف البطالة وامتصاص الطاقات المعطّلة في المجتمع.
الزراعة: عودة الحياة إلى الأرض وفرص العمل
كانت سوريا، لعقود طويلة، سلة غذاء للمنطقة، بسهولها الخصبة في الجزيرة والفرات، وبساتينها الممتدة من الساحل إلى الغوطة و حوران.
إن النهوض الزراعي اليوم يتطلب إعادة تأهيل شبكات الري، ودعم الفلاح بالبذار الجيدة، والوقود، والتقنيات الحديثة، بعيداً عن الاحتكار والفساد, فالزراعة من أكثر القطاعات قدرة على تشغيل أعداد كبيرة من الأيدي العاملة، كما أنها توفّر المواد الأولية للصناعات الغذائية والنسيجية، وتُعيد تحريك عجلة الاقتصاد من الريف إلى المدينة.
الثروة الحيوانية: أمن غذائي وصناعات مرتبطة
تعرض قطاع الثروة الحيوانية لخسائر جسيمة، لكن مقومات النهوض ما زالت قائمة, فدعم مربي المواشي، وتأهيل المراعي، وإنشاء معامل حديثة للألبان ومشتقاتها، كفيل بإحياء هذا القطاع الحيوي, ويسهم هذا المجال في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويوفّر مواد أولية أساسية لصناعات الألبان والجلود، ما يقلل من الاستيراد ويعزز الاكتفاء الذاتي.
الإنشاءات: رافعة تشغيل وتنمية
أما قطاع الإنشاءات، فهو عنوان المرحلة المقبلة، لا بوصفه عملية إسمنت وحديد فقط، بل مشروعاً وطنياً يعيد الاعتبار للإنسان السوري, فهذا القطاع يُعد من أكثر القطاعات قدرة على استيعاب اليد العاملة بمختلف مستوياتها، من العمال والحرفيين إلى المهندسين والفنيين. كما أن توفر المواد الأولية محلياً، مثل الحجر والرخام والرمل والإسمنت، يجعل من الإعمار فرصة حقيقية لتحريك الاقتصاد الوطني دون ارتهان للخارج.
سواعد السوريين هي الأساس
إن أعظم ما تملكه سوريا اليوم هو أبناؤها: الفلاح، والعامل، والمهندس، والطبيب، والحرفي، والشباب العائدون من المنافي محمّلين بالخبرات. هؤلاء هم الثروة التي لا تنضب، وهم القادرون على تحويل القطاعات الإنتاجية إلى مصدر كرامة وعمل، يخفف من البطالة، ويؤمّن دخلاً مستدامًا للأسر السورية.
في سوريا الجديدة، لا مكان الاعتماد على العمل، والشفافية، والعدالة في توزيع الموارد, فحين تتكاتف سواعد السوريين مع خيرات أرضهم، وحين تُستثمر الموارد المحلية لتوفير المواد الأولية وفرص العمل، تولد من جديد دولة قادرة على الحياة، دولة تُبنى من الداخل، وتحميها إرادة أبنائها.
هكذا فقط تُبنى الأوطان.
أحمد حاميش
