كشفت وثائق وتحقيقات صحفية، آخرها تقرير مفصل لصحيفة واشنطن بوست، النقاب عن علاقة عضوية وطيدة تجمع بين ميليشيات السويداء بزعامة حكمت الهجري والكيان الإسرائيلي، وهي علاقة لم تكن وليدة الظرف الراهن، بل تمتد جذورها إلى سنوات خلت، لترسم معاً خريطة مؤامرة تستهدف النسيج الوطني السوري والوحدة الترابية للبلاد.
فقد بدأت إسرائيل وفقاً للتقرير، في تدعيم هذه الميليشيات وتسليحها وتسليطها بشكل ممنهج منذ اللحظات الأولى التي تلت تحرير الأرض السورية من النظام البائد، بل وقبل أن تستقر الأوضاع الأمنية أو يتسلم الرئيس الشرع مهامه، فأرسلت مروحياتها في جنح الظلام وهي تحمل البنادق والذخائر والسترات الواقية، كرسالة واضحة أن المشروع الانفصالي كان معداً سلفاً، وأن “الحماية” المزعومة للأقلية الدرزية ما هي إلا غطاء لزرع بذور التقسيم.
النوايا المبيتة لهذه الميليشيات تتجاوز مجرد السعي لحكم ذاتي محلي، فهي تطمح، كما كشف التقرير، إلى إقامة “دولة درزية” وفق خرائط أعدها الهجري نفسه، تمتد لتصل إلى الحدود العراقية، وهو حلم انفصالي لا يمكن أن يتحقق دون راعٍ إقليمي يمدّه بالمال والسلاح ويحميه سياسياً، وهذا الراعي هو إسرائيل، التي وجدت في هذه الميليشيات أداة مثالية لتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة، ومنع أي حكومة مركزية في دمشق من بسط سيطرتها على كامل التراب الوطني، خاصة على الحدود الجنوبية المطلة على الجولان المحتل.
لم يكن الدعم الإسرائيلي مجرد تمويل عابر، بل تحول إلى شراكة عملية، فالتقرير يكشف عن دفعات نقدية شهرية منتظمة لعناصر الميليشيات، وتوريد أسلحة متطورة كبنادق القنص ومعدات الرؤية الليلية وحتى الصواريخ المضادة للدبابات عبر وسطاء مثل “قسد”، وتدريب عسكري سري، كل هذا يشير إلى بناء كيان عسكري موازٍ، قادر على التمرد والاستمرار، تحت القيادة المباشرة للهجري وابنه، اللذين سعيا للاعتراف بهما كـ”سلطة عسكرية شرعية وحيدة” في المنطقة، محل أي مؤسسة للدولة.
الأكثر دلالة هو التوقيت الانتهازي لهذا الدعم وتراجعه، فقد بلغ ذروته ثم توقف فجأة عندما قررت إسرائيل الدخول في مفاوضات مع الحكومة السورية، مما يؤكد أن هذه الميليشيات ليست سوى ورقة ضغط في يد اللاعب الإسرائيلي، تُستخدم عند الحاجة وتُهمل عندما تتغير الحسابات، وهذا ما أدركه بعض المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، حين حذروا من أن دعم “دولة مستقلة” سيربط إسرائيل بالدفاع عن كيان هش بعيد عن حدودها، وهي مسؤولية إستراتيجية لا ترغب في تحملها.
العداء الذي تكنّه قيادات هذه الميليشيات للدولة السورية ليس سراً، فهو يترجم يومياً عبر رفض سلطة القانون، واستمرار حمل السلاح خارج إطار الدولة، والتعاون المباشر مع قوى معادية لوحدة سوريا، فالمحاولات الحثيثة للانفصال، بدعم إسرائيلي مباشر وغير مباشر، ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من المؤامرات التي تستهدف الوطن السوري، وقد عبر مسؤولون أمريكيون عن قلقهم من أن هذه الأفعال تعرقل الاستقرار وتقوض وحدة سوريا، وهو اعتراف يضع المسؤولية على المجتمع الدولي لرفض أي دعم لأجندات التقسيم.
ختاماً: إن قصة ميليشيات السويداء والهجري ليست قصة مطالب محلية، بل هي نموذج صارخ للحروب بالوكالة لتحقيق أهداف جيوسياسية، والمواجهة الحقيقية ليست مع أفراد يحملون السلاح فقط، بل مع مشروع تقسيمي مدعوم إقليمياً، يهدف إلى تمزيق سوريا وإضعافها إلى الأبد، وتذكيراً بالتاريخ، فإن قوة سوريا دائماً ما كانت في وحدتها، وها هي اليوم، بقيادة الرئيس الشرع، تتحدى مرة أخرى هذه المخططات وتؤكد أن إرادة الشعب في الوحدة والاستقلال هي من ستبقى.