رسخت مؤسسة “مكتب رعاية الطفولة والأمومة وذوي الاحتياجات الخاصة” بريف إدلب حضورها الإنساني كمبادرة سورية انطلقت من حمص بجهود تطوعية، لمواجهة الآثار التي خلفتها أعمال القمع والتهجير التي ارتكبها النظام البائد بحق الشعب السوري.
وكرّست المؤسسة منذ عام 2018 عملها لدعم الأطفال والنساء وذوي الإعاقة والأيتام والمهجرين، عبر برامج إغاثية وتنموية شملت المساعدات الغذائية والطبية، والدعم النفسي، والمشاريع الخدمية والتعليمية، بهدف التخفيف من آثار النزوح وتعزيز صمود الفئات الأشد احتياجاً التي هجرها النظام البائد من مختلف المحافظات السورية، وأجبرت على العيش بالمخيمات بريف إدلب.
النشأة.. مبادرة تطوعية
قالت رئيسة المؤسسة، مها أيوب في حديث لـ سانا: “بدأت المؤسسة كفكرة تطوعية عفوية عام 2012 في ريف حمص الشمالي، حيث ضم الفريق الأولي 64 متطوعاً عملوا بشكل مستقل وتطوعي كامل، وسعت المؤسسة منذ بدايتها إلى نشر خدماتها في جميع مناطق سوريا المحررة من النظام البائد في ذلك الوقت، واستمر العمل ست سنوات مليئة بالتحديات والآلام”.
واستعادت أيوب ذكريات حزينة في تلك الفترة، حيث واجهت المؤسسة حصاراً خانقاً وقصفاً عنيفاً من قبل النظام البائد، الذي استهدف مكتبها مرتين بشكل مباشر، ما أدى إلى استشهاد المربية نوال اليوسف عام 2016، أول شهيدة في العمل الإنساني في سوريا، تلتها المعلمة مريم الدالي في العام نفسه.
الاستمرار في إدلب بعد التهجير
بعد أن فرض النظام البائد التهجير القسري إلى إدلب عام 2018 نقلت المؤسسة نشاطها إلى ريف هذه المحافظة، حيث لم يتوقف العمل فيها كما أكدت أيوب، بل سعت للإقلاع مجدداً من خلال 11 متطوعاً ومتطوعة، وبدأت العمل من جديد رغم صعوبات إضافية بسبب طبيعة المخيمات والجغرافيا المجهولة، والتحدي المتمثل في نقص الدعم المالي نتيجة عدم وجود ترخيص رسمي أو حساب بنكي، حيث لا تتعامل الجهات الدولية إلا مع الحسابات الرسمية، وقد تم تجاوز هذه العقبات لاحقاً.
وبعد تحرير كامل سوريا وسقوط النظام البائد، أوضحت أيوب، أن المؤسسة استمرت في حمل رسالتها الإنسانية الهادفة إلى تخفيف معاناة المهجرين الذين يعيشون في خيام وبيوت مستأجرة، ويعانون الفقر والمرض والجوع والبطالة وغلاء الأسعار، لرسم البسمة على وجوه المتعبين وتحقيق أحلامهم.
الفئات المستهدفة هم الأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة

وفقاً لأيوب تركز المؤسسة على الاهتمام بالأطفال من خلال تأمين احتياجاتهم الغذائية والتعليمية، كما تولي اهتماماً خاصاً بذوي الإعاقة، ويبلغ عددهم نحو 3000 شخص يعانون إعاقات جسدية وعقلية مختلفة، حيث يتم دعمهم بالغذاء واللباس والأدوية، إضافة إلى أجهزة مساعدة متقدمة وتقديم جلسات علاج فيزيائي مجانية في مركز متخصص.
ولفتت إلى أن المؤسسة ترعى أيضاً 2700 طفل وطفلة من الأيتام النازحين، إضافة إلى الأسر المتعففة والمهجرين المقيمين في الخيام، لتأمين احتياجاتهم الأساسية كافة.
البرامج الدائمة والدورية
وتحدثت أيوب عن البرامج الدائمة التي تتولاها المؤسسة وبعضها مستمر منذ 14 عاماً، كمشاريع الأضاحي الكبرى، ووجبات إفطار الصائمين، واحتفالات الأعياد عبر إقامة فعاليات للأطفال الأيتام وسكان المخيمات، والتي تضفي أجواء من الفرح والأمل على حياة المتضررين في أصعب الظروف.
مشاريع البنية التحتية والتنمية
وأشارت إلى ضرورة ألا يقتصر عمل المنظمات الأهلية على الجانب الإغاثي، ومن أجل ذلك تساهم المؤسسة في إعادة بناء البنية التحتية الحيوية عبر حفر الآبار الجوفية لتأمين المياه النظيفة، وإنشاء شقق سكنية وقرى بيتونية دائمة لنقل الأهالي من خيام النزوح إلى بيوت آمنة، إضافة إلى فرش وتعبيد الطرقات داخل المخيمات، وتنفيذ مشاريع الصرف الصحي، وبناء مدارس حديثة لتعليم الأجيال الجديدة.
دعم التعليم والصحة
وأولت المؤسسة وفقاً لأيوب التعليم أهمية كبيرة، حيث تكفلت طلاب الجامعات والمعاهد، مع دعم معاهد تحفيظ القرآن الكريم، وتجهيز المساجد والمصليات وحلقات التعلم بأحدث المستلزمات.
أما في إطار الجانب الصحي فتنفذ المؤسسة عدة مشاريع، فهناك عيادة متخصصة في الأمراض العصبية، ومركز للمعالجة الفيزيائية يقدم خدماته مجاناً للمرضى المهجرين والفقراء والمقيمين في مناطق الشمال السوري.
الإنجازات بعد تحرير سوريا
أشارت أيوب إلى أن عمل المؤسسة شهد توسعاً ملحوظاً بعد التحرير، حيث قامت بتأهيل بئر جوفية رئيسية في مدينة الرستن بمحولة كهربائية لضخ المياه، وبئر ثانية تعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى تطوير بئر رئيسية وبناء جامع الأحمدي في الرستن.
كما جهزت المؤسسة مسجد عمر بن الخطاب في ريف محافظة حماة بالطاقة الشمسية والنوافذ المعزولة والسجاد، وافتتحت معهداً لتحفيظ القرآن الكريم في مدينة الرستن وقرية غرناطة.
الدعم النفسي ودمج المجتمع
واحتل الدعم النفسي حيزاً مهماً في عمل المؤسسة، من خلال تنظيم فعاليات ثقافية، ومسابقات، وألعاب،كانت تُنفذ ضمن الإمكانيات المتاحة، بهدف إدخال الفرح وتعزيز الدمج الاجتماعي لذوي الإعاقة.
تكريم ذوي الشهداء
وحرصت المؤسسة على تكريم ذوي شهداء الثورة السورية، تأكيداً على رسالة ثابتة مفادها بالوقوف الدائم إلى جانبهم، واعتبار تضحيات الشهداء ديناً في أعناق الجميع، وأن أبناءهم أولوية أساسية، بما يسهم في دعم العائلات وترسيخ قيم التضحية والفداء في المجتمع.
رسالة إنسانية مفتوحة
وفي ختام حديثها، وجهت أيوب باسم المؤسسة الشكر إلى الأيادي البيضاء التي دعمت الثورة السورية وساندت الأهالي، في ظل وجود أعداد كبيرة من المهجرين الذين ما زالوا يعيشون في الخيام، ويحتاجون إلى الماء والخبز والطعام والدواء. مؤكدة السعي لتحقيق الحلم الكبير المتمثل في الوصول إلى “صفر خيمة”، لتكون نموذجاً حياً للعطاء السوري الأصيل.