الجيش السوري يقدّم نموذجاً احترافياً يتماشى مع القانون الدولي الإنساني

في خضم المواجهة التي ينفذها الجيش العربي السوري في حلب للتصدي لخروقات “قسد”، برز انتقال التجربة العسكرية إلى مستوى جديد من الاحترافية، تجلّى بوضوح في العمليات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما يُعد درساً استراتيجياً وأخلاقياً يستحق التأمل.

وبإمكاننا القول إن ما يجري ليس مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل تجسيد عملي لعقيدة جديدة تجمع بين الكفاءة القتالية والالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني.

تحوّل نوعي في الأداء العسكري
تشير المعطيات الميدانية إلى تحوّل جوهري في أداء الجيش العربي السوري، حيث تجاوز تجارب سابقة ليقدّم نموذج الجيوش النظامية الحديثة في تعامله مع المناطق السكنية والمدنيين. ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل كان نتاجاً لتراكم خبرات وتدريبات مكثفة أعادت صياغة العقيدة العسكرية السورية.

ولا بد من التأكيد أن القانون الدولي الإنساني بات حقيقة ملموسة على الأرض، لا مجرد نصوص على الورق، وكانت أبرز نقاط العمليات الأخيرة تجسيد هذا القانون عملياً لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

وقد تجلى هذا الالتزام من خلال عدة إجراءات ميدانية؛ أولها الإعلان المسبق وتجنّب عنصر المفاجأة، حيث لم تكن العمليات في الشيخ مقصود مفاجئة للمدنيين، بل أعلن الجيش العربي السوري عنها مسبقاً، ما أتاح للسكان اتخاذ إجراءات وقائية وتجنّب التورط في العمليات العسكرية.

أما الإجراء الثاني، فتمثّل في منح مهلة إنسانية والتنسيق المدني، حيث أتاح الجيش وقتاً كافياً للمدنيين لمغادرة مناطق الاشتباك، بالتوازي مع التنسيق مع المؤسسات المدنية في حلب لتأمين مأوى للنازحين، وبالتالي الحد من التداعيات الإنسانية.

وجاء الإجراء الثالث في تخصيص ممرات إنسانية آمنة ومدروسة لعبور المدنيين، وتولّى الجيش حماية هذه الممرات، تأكيداً على أنه جيش كل السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم.

واتّسمت العمليات بدرجة عالية من الشفافية، إذ حدد الجيش المواقع المستهدفة مسبقاً وأعلن عنها عبر وسائل الإعلام الرسمية، ما سمح للمدنيين بتفاديها وتجنّب الخسائر البشرية.

وكان الحفاظ على الأرواح أولوية مقدّمة على النتائج السريعة؛ فرغم قدرة الجيش على حسم المعركة بسرعة، اختار مساراً أطول وأكثر تعقيداً لأنه الأقل تكلفة من حيث الخسائر البشرية في صفوف المدنيين.

هذه المنهجية تشير إلى تحوّل استراتيجي في التفكير العسكري السوري، حيث لم تعد الكفاءة القتالية وحدها معيار النجاح، بل باتت كيفية تنفيذ العمليات مع الحفاظ على القيم الإنسانية جزءاً لا يتجزأ من المعركة.

إن التطبيق العملي للقانون الدولي الإنساني في حلب يرسل رسالة مفادها أن الجيش العربي السوري يطور أداءه ليكون قوة تحترم مواثيق الحرب، وتُعلي من شأن حماية المدنيين، حتى في خضمّ المعارك مع التنظيمات المسلحة.

وبذلك، يبدو أن هذا النموذج أصبح واقعاً، ويشكّل سابقة مهمة في السياق السوري، تؤكد أن الكفاءة العسكرية والالتزام الإنساني يمكن أن يجتمعا في عقيدة واحدة، تخدم الشعب وتحفظ كرامته حتى في أصعب الظروف.

المزيد...
آخر الأخبار