أديبة قاصة وروائية، أينع إبداعها ورفرفت كلماتها وحلقت في سماء الغربة، بين غصة وألم ودمعة، حاملة في وجدانها جراح وآلام وطن فقدت فيه أحبتها، لكنها اليوم تعود لتبلسم جراحه بالحرف وتمنح ذاكرته صوتًا جديدًا. الأديبة عبير نحاس، رئيسة اتحاد الكتاب العرب في حمص، خصت “العروبة” بحوار غني، تحدثت فيه عن مسيرتها، وتجربتها مع الغربة، وأدب الطفل، والهوية، وتمكين المرأة، والصحافة.
نحاس عرّفت نفسها بأنها أديبة بالدرجة الأولى، كرّست حياتها للأدب، وانطلقت منه لتأسيس “دار أزرق للنشر والتوزيع” كمشروع ثقافي مستقل، كما تتولى حالياً رئاسة فرع حمص لاتحاد الكتاب العرب. لم يقتصر عطاؤها على المجال الأدبي، بل خاضت أيضاً تجربة صحفية متميزة في وكالة الأناضول التركية، وصحيفتي “يني شفق” و”جيرجيك حيات”، حيث ما زالت تكتب مقالات سياسية واجتماعية موجهة للمجتمع التركي.
تحدثت نحاس عن دافعها الخفي للكتابة، مشيرة إلى أن أمومتها لأربعة أبناء كانت الدافع الحقيقي وراء عطائها، وأنها من خلال قلمها تسعى لصياغة مستقبل أجمل لهم ولجيلهم.
أما بدايتها مع أدب الطفل، فكانت حين كتبت مقالاً حول موقف جمعها بابنتها، أدركت من خلاله كيف يمكن للقيم التي غرستها في أطفالها أن تنتصر على الرسائل السلبية في الإعلام، ومن هنا انطلقت في مشروعها الأدبي الموجه للطفل.
نحاس تبتعد في كتاباتها عن الأسلوب المباشر والوعظ التقليدي، وترى أن المتعة هي المدخل الحقيقي لعقل الطفل. واستشهدت بروايتها “آية في مملكة الشيبس”، التي استخدمت فيها مغامرة خيالية وأسلوباً بسيطاً لتمرير فكرة الطعام الصحي والضار، دون أن تخل بعنصر التشويق.
وعن صورة المرأة في أدبها، أكدت نحاس لـ “العروبة” أنها من أنصار المرأة القوية التي تمسك بزمام حياتها، ولا تنتظر سنداً، وتواجه التحديات بوعي وشجاعة، دون أن تتخلى عن أنوثتها ورقتها. وقالت إن هذا الحضور النسوي القوي في كتاباتها هو انعكاس لتجربتها الشخصية كامرأة معيلة واجهت تحديات الغربة في تركيا مع أبنائها، وهو ما بلور رؤيتها ورسّخ قناعتها بضرورة تمكين المرأة.
الغربة كانت حاضرة بقوة في حديث نحاس، إذ تحدثت عن تأثيرها العميق في شخصيتها ومسيرتها، مؤكدة أنها شكّلت الدافع الأكبر لأعمالها ومبادراتها الأخيرة. وقالت إنها خلال وجودها في تركيا، شعرت برعب حقيقي وهي تراقب اللغة العربية تتسرب من بين أيدي أطفالنا، ورأت في ذلك خسارة للغة والتاريخ والهوية.
وأمام هذا التحدي، قررت أن تحوّل الأدب من نص مكتوب إلى مشروع حي، فأسست “دار أزرق للنشر” في إسطنبول، ونشرت من خلالها قصصاً باللغتين العربية والتركية لردم الهوة الثقافية. كما شاركت بفعالية في الأنشطة الثقافية، ومنها مسابقات اللغة العربية التي تنظمها وزارة التربية التركية، حيث اعتمدت الوزارة كتابها “بالعربية نمثل” كمصدر رئيسي في تلك المسابقات لعامين متتاليين.
وترى نحاس أن الأديب في المهجر هو حارس للهوية، وأن كل قصة أو مسرحية تكتبها هي لبنة في بناء جدار يحمي انتماء الأطفال إلى جذورهم.
وفي تجربتها الصحفية، قالت نحاس إن بدايتها كانت عام 2016 حين سعت مجلة “جيرجيك حيات” للتواصل مع قلم سوري ينقل صوت السوريين وتطلعاتهم إلى المجتمع التركي، وسرعان ما لاقت مقالاتها صدى واسعاً بين القراء، ما دفع صحيفة “يني شفق” إلى ترشيحها لتكون أول كاتبة عربية تُنشر مقالاتها جنباً إلى جنب مع كبار الكتاب الأتراك.
ورغم توقفها المؤقت عن الكتابة في “يني شفق” بسبب مخاوف حقيقية على عائلتها من بطش نظام الأسد البائد، إلا أن صوتها لم ينقطع، وواصلت الكتابة في “جيرجيك حيات”، انطلاقاً من إيمانها بضرورة وجود صوت سوري حر يخاطب العقل التركي ويوضح الحقائق.
وأكدت نحاس أنها تلقت خلال هذه المسيرة العديد من الرسائل، منها ما كان مؤيداً ومتعاطفاً، ومنها ما حمل إساءات ورفضاً، لكنها رأت في كلا النوعين دليلاً على أن صوتها وصل بالفعل، وأن كلماتها أحدثت أثراً وبدأت في تغيير الوعي.
وفي حديثها عن كتابها “متعة التربية”، أوضحت نحاس أنها أرادت من خلاله إرسال رسالة جوهرية مفادها أن التربية مسؤولية أخلاقية لا تقتصر على الرعاية المادية، بل تشمل صناعة الشخصية السوية المتزنة. وقالت إنها ضمّنت الكتاب العديد من المواقف الواقعية من حياتها اليومية مع أطفالها، محوّلةً تلك التفاصيل إلى دروس تربوية ملهمة.
ونحاس من مواليد حمص عام 1971، وصدر لها حتى اليوم 36 مؤلفاً ورقياً تنوّعت بين الرواية والقصة والمسرح، بالإضافة إلى العديد من الإصدارات الرقمية، وكل ما كتبته – كما تقول – كان محاولة لصياغة وعي، وحراسة هوية، وتكريم لوجع الغربة وصبر الحياة.
العروبة ـ سلوى إسماعيل الديب
