الاقتصاد السوري على مفترق تحوّل: الليرة تتحسن تدريجياً والاستثمارات تعيد رسم المشهد

تشهد السوق السورية تغيرات ملحوظة في الفترة الأخيرة، تتجسد في تحسن نسبي بسعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، وعودة تدريجية للاستثمارات إلى القطاعات الحيوية، وسط توجه حكومي لإعادة هيكلة الاقتصاد وفق قواعد جديدة، بعد عقود من القيود والتجريم الذي طال أدوات السوق الحر.

الليرة تتنفس والأسواق تلتقط الإشارات
سجّل سعر صرف الدولار انخفاضاً محدوداً اليوم الأحد، إذ بلغ في دمشق 11,600 ليرة للشراء و11,650 للمبيع، بينما تجاوز حاجز 11,700 ليرة في بعض مناطق الشمال الشرقي، وعلى الرغم من هذا الفارق الطفيف، إلا أن استقرار السوق نسبياً يعكس استجابة تدريجية لإجراءات اقتصادية داخلية، إضافة إلى تحسن المؤشرات النقدية في ضوء تطورات إقليمية ودولية.

أما السعر الرسمي المعلن من مصرف سورية المركزي، فاستقر عند 11,000 ليرة للشراء و11,100 للمبيع، في محاولة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، وتعزيز الثقة بالسياسات النقدية.

الذهب يتأثر عالمياً… ومخاوف من زيادة الادخار السلبي
في موازاة تقلبات الصرف، سجلت أسعار الذهب المحلية ارتفاعاً جديداً نتيجة التأثر المباشر بارتفاع أسعار الأونصة عالمياً، حيث بلغ سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 16,450 ليرة مبيعاً، و16,050 شراءً، فيما سجل عيار 18 قرابة 14,150 ليرة مبيعاً.

الخبراء الاقتصاديون يرون أن تزايد الإقبال على الذهب كمخزن للقيمة قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في الأسعار، ويضع ضغوطاً على سوق الصرف، بسبب ازدياد الطلب على الدولار المستخدم في عمليات التبادل والادخار.

قفزة في حجم الاستثمارات… ونفط جديد يعيد الحياة إلى الإيرادات
في خطوة تعكس عودة الديناميكية إلى بيئة الأعمال، أعلنت هيئة الاستثمار السورية أن حجم المشاريع المسجلة في العام الحالي وصل إلى 56 مليار دولار، تشمل قطاعات الطاقة، والصناعة، والسياحة، والزراعة، والتحول الرقمي. ويُتوقع أن تسهم عوائد الحقول النفطية المستعادة وحدها في توفير أكثر من 20 مليار دولار سنوياً، مع اعتماد خطة لرفع الإنتاج إلى 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر.

الضخ التجريبي للغاز من حقول الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس يشكل بداية عملية لإعادة تشغيل منشآت الطاقة، في وقت تعمل فيه وزارة النفط على استكمال استثمار الحقول المحررة، كجزء من خطة تأمين الوقود لمحطات الكهرباء وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

عودة سوريا إلى مشهد البنك الدولي… وقانون الاستثمار الجديد يفتح الأبواب
اللافت أن سوريا عادت للظهور في تقارير البنك الدولي للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً، بعد إدراجها ضمن ثماني دول عربية يُتوقع لها نمو اقتصادي في 2026، ما يعكس تحسناً نسبياً في الأداء العام.

وترافق هذا التحول مع قرارات إصلاحية اتخذتها القيادة السورية الجديدة، أبرزها السماح بتداول الدولار والعملات الأجنبية، وهو ما اعتُبر انقلاباً جذرياً على السياسات القديمة التي كانت تجرّم التعامل بغير الليرة، وتفرض عقوبات بالسجن على المخالفين.

خاتمة: التحديات لم تنتهِ… لكن الطريق إلى التعافي بات مفتوحاً
رغم التحسّن الملحوظ في مؤشرات الاستثمار والنقد والطاقة، لا تزال تحديات كبرى تواجه الاقتصاد السوري، من أبرزها ضبط الأسعار، دعم الزراعة، واستمرار المخاطر الأمنية في بعض المناطق.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن سوريا دخلت فعلياً في مرحلة إعادة هيكلة اقتصادية شاملة، تعتمد على القطاعات المنتجة، والاستثمارات النوعية، وخلق بيئة مواتية للنمو، الأمر الذي قد يفضي إلى استعادة جزء من الاستقرار المالي والاجتماعي في السنوات المقبلة.

المزيد...
آخر الأخبار