لم تكن الغربة محطة عابرة في حياة كثير من الأديبات السوريات، بل تحولت إلى تجربة قاسية أعادت تشكيل وعيهن وأدواتهن الإبداعية.
ففي المنفى، حيث الفقد والاختبار اليومي للهوية، وُلدت نصوص أكثر جرأة وصدقًا، ووجدت الكاتبات مساحة أوسع للبوح ومعالجة قضايا الإنسان واللغة والذاكرة.
في هذا السياق، حاورت صحيفة “العروبة”أديبتين سوريتين شكّل المنفى منعطفاً حاسماً في مسيرتهما الأدبية والإنسانية، فكان الألم وقوداً للكتابة، والإبداع وسيلة للمقاومة والبناء.
عبير نحاس: من الفقد إلى ترميم الهوية
تستعيد الكاتبة عبير نحاس، رئيسة فرع حمص لاتحاد الكتاب العرب، سيرة غربةٍ قاسية بدأت بعد فقدان زوجها وابنها ووالدها، لتجد نفسها فجأة امرأةً معيلةً ووحيدة، تحمل مسؤولية ثلاثة أبناء في بلد لا تعرف لغته،هناك، لم يكن للانكسار مكان، إذ تحوّل الصمود من خيار إلى قدر يومي، وارتسمت ملامح حياة تُدار بالإرادة وحدها
ومن رحم هذه التجربة القاسية، حوّلت نحاس وجعها الشخصي إلى طاقة فعلٍ ثقافي، فاختارت أن تجعل من الكتابة والتحرير مساراً للحياة.
على مدى عشرة أعوام، كتبت للصحافة التركية ونالت تكريماً من وزارة التربية، قبل أن تخطو خطوة نوعية بتأسيس “دار أزرق”للنشر، المتخصصة بكتب الأطفال ثنائية اللغة، واضعة اللغة العربية في قلب مشروعها الثقافي بوصفها هوية لا تقبل التلاشي.
اليوم، وبعد عودتها إلى سوريا، تستعد لمتابعة هذا المشروع، مقرونة بقرار شخصي بالتصالح مع الحياة والاستمتاع بها، بعد رحلة وصفتها بأنها كانت صعبة بقدر ما كانت غنية بالتجربة.
ابتسام شاكوش: الكتابة بوصفها شهادة
على الضفة الأخرى من التجربة، ترى الكاتبة والروائية ابتسام شاكوش أن حياتها الفعلية بدأت مع انطلاق الثورة السورية، التي دفعتها إلى التهجير عام 2012. في المنفى، شعرت بمسؤولية تجاه توثيق ما جرى، فانتقلت من الكتابة الرمزية إلى الواقعية المباشرة، محاولة الإمساك بتفاصيل الحدث كما عاشته.
انعكس هذا التحول في أعمالها الروائية، إذ وثّقت في “وقع الخطى”رحلة نزوحها سيراً على الأقدام، بينما تناولت في “ابن المجرم”حكايات أبناء شهداء الثمانينات، وعبّرت في “طوق في عنقي” عن ثقل الغربة ومرارتها.
ولم تكتف شاكوش بالكتابة، بل أسست مركزاً ثقافياً في أحد مخيمات اللجوء، قبل أن تتجه اليوم نحو أدب الطفل، انطلاقاً من إيمانها بضرورة بناء جيل جديد لا يعرف الخوف أو الفقر أو الذل.
إبداع يتجاوز المنفى
تكشف تجربة عبير نحاس وابتسام شاكوش أن المنفى، على قسوته، لم يكن نهاية الطريق، بل مساحة لإعادة تعريف الدور الإبداعي والإنساني للكاتبة.
فبعد سنوات من مقاومة الفقد بالكتابة، تتقاطع رؤيتهما اليوم عند هدف واحد يتمثل في بناء الإنسان والاستثمار في المستقبل،بذلك، لا يقتصر إرثهما على توثيق مرحلة من التاريخ السوري، بل يتجاوزها ليغدو منارة أمل تسعى إلى إنارة درب الأجيال القادمة.
العروبة- سلوى ديب
