النباتات الطبية والعطرية في ريف حمص الشمالي… ثروة زراعية واعدة تحتاج دعماً وتسويقاً

تشهد زراعة النباتات الطبية والعطرية اهتماماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ارتفاع الطلب المحلي والعالمي عليها وقدرتها على تحقيق عائد اقتصادي جيد مقارنة بالمحاصيل التقليدية، ولا سيما في المناطق التي تعاني من محدودية الموارد. وتبرز هذه الزراعة بوصفها فرصة حقيقية لتحسين الواقع المعيشي للمزارعين ودعم الاقتصاد المحلي.

رئيس دائرة زراعة الرستن حسام بكور أوضح في تصريح لصحيفة العروبة أن منطقة الرستن في محافظة حمص تعد من المناطق الزراعية الخصبة التي تمتلك مقومات طبيعية مناسبة لزراعة النباتات الطبية والعطرية. وأشار إلى أن هذه النباتات تشكل مورداً اقتصادياً مهماً في العديد من الدول، إلا أنها في منطقتنا ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والدعم لتصبح رافداً أساسياً للدخل الزراعي، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي عليها والصعوبات التي يواجهها المزارعون.

الفرق بين النباتات الطبية والعطرية

وبيّن بكور أن الفرق بين النباتات الطبية والعطرية من الناحية العلمية بسيط، فالنباتات الطبية هي كل نبات يحتوي في أحد أجزائه، مثل الجذور أو الأوراق أو الأزهار أو البذور، على مادة فعالة أو أكثر تمتلك القدرة على علاج الأمراض أو تخفيف أعراضها، سواء استخدم النبات بشكله الطبيعي أو بعد استخراج المواد الفعالة منه.

أما النباتات العطرية فتحتوي على زيوت طيارة أو مركبات تمنحها رائحة مميزة، وتستخدم بشكل أساسي في صناعة العطور ومستحضرات التجميل، إضافة إلى استخدامها في إضفاء النكهة والرائحة على الأطعمة والمشروبات. وغالباً ما تجمع بعض النباتات بين الصفتين الطبية والعطرية، لذلك يستخدم مصطلح النباتات الطبية والعطرية للإشارة إلى هذه المجموعة من النباتات.

محاصيل رئيسية

وأشار بكور إلى أن أبرز النباتات الطبية والعطرية المزروعة في منطقة الرستن هي اليانسون، حيث تعد قرى المنطقة، ولا سيما قرية أم شرشوح، من أشهر المناطق المتخصصة في زراعته. كما تنتشر زراعات الكمون في قرى الرستن وتلبيسة والرستن الشرقية، إضافة إلى محاصيل حبة البركة والكزبرة والشمر، إلى جانب مساحات أقل من البابونج.

ولفت إلى أنه في عام 2017 قُدّرت المساحات المزروعة بهذه المحاصيل بنحو ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في المنطقة، ما يعكس أهمية هذا القطاع الزراعي.

عوامل انتشار زراعتها

وأوضح بكور أن انتشار زراعة النباتات الطبية والعطرية في الرستن يعود إلى عدة عوامل، أبرزها العامل الاقتصادي، إذ تتميز هذه المحاصيل بعائد مالي مجزٍ مقارنة بالمحاصيل الاستراتيجية التقليدية مثل القمح والشعير، خاصة مع ازدياد الطلب العالمي عليها، الأمر الذي يسهم في تحسين دخل المزارعين.

كما تتميز هذه النباتات بانخفاض احتياجاتها المائية مقارنة بالمحاصيل الأخرى مثل الحبوب والخضار، ما يجعلها مناسبة للظروف المناخية الجافة والأراضي البعلية، وهو عامل مهم في المناطق التي تعاني من شح المياه.

وأضاف أن ملاءمة المناخ والتربة في ريف حمص الشمالي تسهم أيضاً في ارتفاع إنتاجيتها، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن 2.5 كغ من البذور يمكن أن تعطي نحو 130 كغ من المحصول، وهي إنتاجية تفوق مثيلاتها في بعض المناطق الأخرى.

وأشار إلى أن الدعم المحدود الذي قدمته الجهات الحكومية وبعض المنظمات عبر مشاريع التنمية الريفية أسهم في تشجيع المزارعين على التوسع في هذه الزراعة، من خلال توفير البذار والإرشاد الزراعي.

تراجع المساحات المزروعة

وعن واقع زراعة هذه النباتات مقارنة بالسنوات السابقة، بيّن بكور أنه رغم غياب أرقام دقيقة وموثوقة حول المساحات المزروعة، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى انخفاضها بنحو 30% مقارنة بالسنوات الماضية.

وأوضح أنه في عام 2017 كانت المساحات المزروعة في ريف حمص الشمالي تقدر بنحو 2000 إلى 3000 هكتار، بينما تشير البيانات الرسمية للموسم الأخير إلى تراجع تدريجي في هذه المساحات.

وأضاف أن للجفاف أثراً كبيراً على هذه المحاصيل، فرغم قدرتها على تحمل الظروف الجافة أكثر من الحبوب، إلا أنها تأثرت أيضاً بفترات الأمطار الغزيرة، علماً أن معظم هذه الزراعات تعتمد بشكل رئيسي على مياه الأمطار.

صعوبات تواجه المزارعين

ورغم المزايا الكبيرة لهذه المحاصيل، يواجه المزارعون عدداً من التحديات، أبرزها ضعف التسويق، حيث يعاني المزارع أحياناً من صعوبة في تسويق محصوله نتيجة قلة التنظيم وتذبذب الأسعار، ما يؤدي إلى خسارة جزء من الإنتاج.

كما يبرز ضعف التصنيع المحلي كأحد التحديات الأساسية، إذ إن عدم وجود مصانع كافية لمعالجة هذه المحاصيل واستخلاص الزيوت العطرية والمستحضرات الطبية يؤدي إلى بيع المحصول كمادة خام بأسعار منخفضة، في حين تُصدَّر المنتجات النهائية بقيمة أعلى بكثير.

إضافة إلى ذلك، تؤثر العوامل المناخية مثل الجفاف أو الفيضانات بشكل مباشر في الإنتاجية، ما ينعكس على استقرار دخل المزارعين.

انتشار هذه الزراعات

من جهته، أشار المهندس حيدر سرحان، رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية، إلى أن زراعة النباتات الطبية والعطرية تنتشر في محافظة حمص بشكل رئيسي في مناطق الرستن والمركز الشرقي ضمن الريف الشمالي للمحافظة، بينما تنتشر بمساحات أقل في مناطق أخرى.

وأوضح أن أبرز المحاصيل المزروعة في المحافظة هي حبة البركة والكزبرة واليانسون والشمر والكراوية، إضافة إلى الكمون في بعض المناطق مثل المخرم والغربي، مشيراً إلى أهمية هذه المحاصيل لاستخداماتها الطبية والصناعية، فضلاً عن دورها في دعم تربية النحل وتحقيق عائد مادي جيد للمزارعين، ولا سيما في مناطق الريف الشمالي التي تتوفر فيها الظروف المناسبة لنجاح زراعتها.

وفي الختام، تمثل زراعة النباتات الطبية والعطرية خياراً استراتيجياً واعداً لتحقيق التنمية الزراعية والاقتصادية، لما توفره من فرص عمل وعوائد مالية جيدة للمزارعين، إضافة إلى دورها في دعم الصناعات المحلية وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية.

ولتحقيق الاستفادة المثلى من هذا القطاع، تبرز الحاجة إلى تعزيز الإرشاد الزراعي وتطوير أساليب الإنتاج والتصنيع والتسويق، إلى جانب تقديم الدعم اللازم للمزارعين بالتقنيات الحديثة، بما يضمن استثمار هذه الثروة النباتية بالشكل الأمثل ويعود بالفائدة على الاقتصاد المحلي والمزارعين على حد سواء.

العروبة – هيا العلي

 

المزيد...
آخر الأخبار