تختزن مدينة حمص تراثاً مادياً غنياً يعكس تعاقب الحضارات على أرضها منذ عصور ما قبل التاريخ وصولاً إلى العصور الإسلامية والحديثة، ما يجعل هذا التراث ركيزة أساسية في إبراز الهوية الثقافية والتاريخية للمدينة.
جهود إعادة التأهيل وآثار الحرب
أوضح عبيدة بيطار، معاون أمين متحف حمص في دائرة الآثار لـ”العروبة”، أن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة جهوداً متواصلة لإعادة تأهيل مواقعها الأثرية، ولا سيما بعد الأضرار التي لحقت بها نتيجة الممارسات الممنهجة التي انتهجها نظام الأسد البائد.
وأشار إلى ترميم عدد من المواقع المهمة، من بينها الجامع النوري الكبير، وقصرا الزهراوي ومفيد الأمين، والأسواق الأثرية، إلى جانب العمل التدريجي على إحياء المدينة القديمة.
أبرز المواقع الأثرية في حمص
بيّن بيطار أن المحافظة تضم مواقع أثرية بارزة، منها تل حمص “قلعة حمص”، وتل المشرفة “قطنا”، والنبي مند “قادش”، ومدينة الرستن “مملكة أريتوزا”، إضافة إلى حمص القديمة “إيميسا”، وكنيسة مار إليان الحمصي، وجامع خالد بن الوليد، والجامع النوري الكبير، والأسواق الأثرية، وقصرا الزهراوي ومفيد الأمين العائدان إلى الفترة المملوكية.
الآثار ودورها في تنشيط السياحة والاقتصاد
تسهم هذه المواقع في تنشيط الحركة السياحية من خلال استقطاب الزوار والباحثين، نظراً لقيمتها التاريخية والأثرية، ما ينعكس على زيادة أعداد الزوار وتعزيز النشاط السياحي. كما تتيح فرص عمل للسكان المحليين وتسهم في تحسين مستوى الدخل وتنمية اقتصاد المنطقة، الأمر الذي يدفع الجهات المعنية إلى تطوير المرافق السياحية والبنى التحتية المرتبطة بها.
آليات استثمار المواقع الأثرية
أكد بيطار أن استثمار المواقع الأثرية يتطلب اعتماد آليات مدروسة تحقق التوازن بين الحماية والتنمية، من خلال تنفيذ أعمال الترميم باستخدام مواد وتقنيات تحددها وتشرف عليها الجهات المختصة، بما يضمن الحفاظ على الهوية التاريخية. ولفت إلى أهمية إشراك المجتمع المحلي في إدارة هذه المواقع، إلى جانب تطبيق قوانين صارمة تمنع التعديات والتنقيب غير المشروع، مع توفير رقابة مستمرة.
العلاقة بين التراث المادي والهوية الثقافية
يشكل التراث المادي تجسيداً مباشراً للهوية الثقافية، إذ تعكس المواقع الأثرية أنماط الحياة والفكر والفنون والمعتقدات التي سادت في فترات تاريخية مختلفة، ما يجعلها جزءاً من هوية المجتمع.
وأوضح بيطار أن الحفاظ على هذه المواقع يسهم في صون ذاكرة المجتمع وتعزيز الشعور بالانتماء.
الآثار وتعزيز الانتماء الوطني
تؤدي الآثار دوراً في ترسيخ الانتماء الوطني من خلال ربط الإنسان بتاريخ بلاده وتعزيز إدراكه لعمق جذوره الحضارية، ما ينعكس على تنمية مشاعر الفخر والمسؤولية تجاه حماية التراث الوطني.
دور المؤسسات الحكومية في حماية التراث
أشار بيطار إلى أن المؤسسات الحكومية تضطلع بدور محوري في حماية التراث الثقافي عبر سن التشريعات الناظمة وتطبيقها، وتمويل عمليات الترميم والصيانة وفق المعايير العلمية المعتمدة.
كما تعمل على توثيق المواقع الأثرية وأرشفتها باستخدام الخرائط والبيانات والصور، وتأمين الحماية اللازمة لها، إضافة إلى تنفيذ برامج توعوية وتدريبية لطلبة المدارس لتعزيز ثقافة الحفاظ على التراث. وشدد على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات والدعم الفني في هذا المجال.
التكنولوجيا في خدمة المواقع الأثرية
تسهم التقنيات الحديثة في حماية المواقع الأثرية من خلال استخدام التصوير ثلاثي الأبعاد والتصوير الجوي والطائرات المسيرة، ما يتيح توثيق التخطيط العمراني ورصد الأضرار بدقة. كما يمكن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الأثرية وإعادة بناء الأجزاء المفقودة رقمياً، بما يعزز جهود الحماية والتوثيق
التحديات التي تواجه الحفاظ على التراث المادي
وكشف بيطار أن من أبرز المعوقات التي تعترض الحفاظ على التراث المادي ضعف التمويل، الذي يشكل الركيزة الأساسية لأي إجراء، إلى جانب محدودية الوعي المجتمعي، وضعف إدراك المجتمع المحلي، بوصفه الحاضن الأول للمواقع الأثرية والمسؤول عن حمايتها، فضلاً عن التوسع العمراني في المدينة نتيجة الضغط السكاني، وما يرافقه من تأثيرات سلبية على تلك المواقع.
التراث المادي عامل مهم في التنمية الاقتصادية
وختم بالقول إن التراث المادي يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية، من خلال تطوير السياحة الثقافية، وتنظيم الفعاليات والمعارض، وتشجيع الاستثمار في القطاع الثقافي.
ويبقى التراث المادي في حمص ذاكرة حية تعكس عراقة المدينة وتنوع مكوناتها، فيما يشكل الحفاظ عليه مسؤولية جماعية ووطنية.
العروبة – رهف قمشري