تشكّل السيباطات في مدينة حمص أحد أبرز معالم العمارة التقليدية التي تعكس تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية والاجتماعية، حيث تبرز في أزقة المدينة القديمة كشواهد حيّة على حضارات متعاقبة، وتجسّد حلولاً معمارية مبتكرة لمحدودية المساحة في الأحياء الضيقة، إلى جانب دورها في حفظ الذاكرة الجمعية لسكان المدينة عبر العصور.
وأوضح معاون أمين متحف حمص عبيدة البيطار في تصريح لـ”العروبة” أن السيباط، كما يعرّفه المعماريون، هو تسقيف يمتد فوق جزء من شارع أو زقاق ضيق، يربط بين مبنيين من الطابق الأول، ويعتمد على عقود حجرية أو أقبية مقنطرة في الطابق الأرضي، بما يوفّر ممراً مغطى.

وأشار إلى أن كلمة “سيباط” أو “ساباط” ذات أصل فارسي، وتعني “الظل أو الحماية”، ما يعكس وظيفتها العملية والجمالية في آن واحد.
وبيّن البيطار أن السيباطات تنقسم إلى نوعين رئيسيين، أولهما السيباط المصلّب، الذي يقوم على ركائز حجرية في زواياه الأربع ويربط بينها جدار حجري مزدوج، ومن أمثلته سيباط شمس الدين والزاوية في حي باب هود. أما النوع الثاني فهو سيباط الغمس، الذي يعتمد على جدار حجري مزدوج دون ركائز، كما في سيباط القاضي.
ولفت إلى أن معظم السيباطات في حمص تعود إلى الفترة العثمانية المتأخرة، حيث شيدتها أسر نافذة في المدينة، وانتشرت في أحياء باب هود والزاوية، ومن أبرزها سيباط القاضي، الدروبي، الجندي، الأديب، ظهر المغارة، الترجمان، الأتاسي، والحسيني.
كما أشار إلى أن عدداً منها تعرّض للدمار والهدم بفعل ممارسات النظام المخلوع وعوامل الزمن، مثل سيباط باب تدمر، المفتي، باب هود، وسيباط الخانكان.
وتبقى السيباطات جزءاً أصيلاً من الهوية المعمارية لمدينة حمص، إذ تعكس قدرة سكانها على التكيّف مع التحديات البيئية والاجتماعية، وتمثّل نموذجاً حياً للثقافة العمرانية المتوارثة.
ويبرز في هذا السياق ضرورة توثيق هذه المعالم وإدراجها ضمن خطط الترميم والحفاظ على التراث، بما يضمن استمراريتها للأجيال القادمة.
فالسيباطات ليست مجرد سقوف حجرية تعلو الأزقة الضيقة، بل رموز حضارية تختزن تاريخ المدينة، والحفاظ عليها يتجاوز حدود الترميم المعماري ليشكّل صوناً لذاكرة حمص وحماية لموروث إنساني غني يعكس تفاعل الإنسان مع بيئته وقدرته على الابتكار.
ابتسام الحسن