الطب البديل في حمص.. إقبال متزايد وتحذيرات من المخاطر

عاد الطب البديل والعطارة إلى واجهة اهتمام شريحة واسعة من أهالي حمص، في ظل ارتفاع تكاليف الأدوية والمعاينات الطبية، بوصفهما خياراً أقل كلفة وأكثر ارتباطاً بالموروث الشعبي، وسط تباين في الآراء بين من يراه علاجاً مكملاً ومن يحذّر من مخاطره في حال ممارسته خارج الأطر العلمية والقانونية.

نقيب الأطباء في حمص جلال نجار حذّر في تصريح لـ”العروبة” من تنامي هذه الممارسات خارج الضوابط، مؤكداً أنها غير مرخّصة في المحافظة، وأن القائمين عليها يعملون بصورة غير قانونية، ما يعرّض حياة المرضى لمخاطر قد تصل إلى الشلل أو الوفاة.

وأوضح أن الطب ينقسم إلى حديث يعتمد على الدراسات العلمية والتشخيص الدقيق، وبديل يقوم على الأعشاب والمكملات وبعض الأساليب الأخرى، مشدداً على أن وجود هذا النوع في دول أخرى لا يعني مشروعيته المطلقة، إذ يخضع هناك لأنظمة رقابية صارمة.

وبيّن نجار أن بعض الممارسات قد تبدو نافعة في حالات محدودة، لكنها قد تسبب أضراراً خطيرة، مشيراً إلى حالات حروق ناجمة عن استخدام وصفات شعبية، إضافة إلى مخاطر التلاعب بالعمود الفقري بطرق غير مهنية.

كما حذّر من الاستخدام العشوائي للأعشاب، لافتاً إلى أن الجرعات غير المدروسة قد تؤدي إلى التسمم، وأن الفرق بين الدواء والسم قد يكون في الكمية.

وأكد نجار أن بعض المواد العشبية البسيطة قد تكون مقبولة ضمن حدود معينة، مثل المبخرات كالبابونج والزهورات في حالات الرشح، إلا أن الاعتراض يتركز على مظاهر الدجل والترويج لعلاج أمراض مستعصية بطرق غير علمية.

وفي ختام تصريحه، شدد نجار على أن ليس كل ما يُسوَّق تحت عنوان الطب البديل صحيحاً أو موثوقاً، لافتاً إلى أن مديرية الصحة بالتعاون مع المحافظة تنفذ دوريات مستمرة لإغلاق المراكز المخالفة وضبطها، بما يضمن بقاء كل مهنة ضمن اختصاصها ومنع أي تجاوزات تمس صحة المواطنين وسلامتهم.

في المقابل، أوضح العطار الصيدلاني علي الأتاسي أن مهنة العطارة تمثل إرثاً عائلياً توارثه منذ عام 1920، مشيراً إلى أن العطار كان يؤدي دوراً مكملاً للطبيب في الماضي، حيث يصف الطبيب العلاج ويؤمّن العطار الأعشاب المناسبة.

وأكد أن الإقبال على هذه المهنة عاد للارتفاع، نتيجة قناعة بعض الناس بأن الأدوية الكيميائية قد تحمل آثاراً جانبية.

وأشار الأتاسي إلى أن الأعشاب الطبيعية ليست خالية من المخاطر، محذراً من استخدامها دون إشراف خبير، خاصة لدى الحوامل، إذ قد تؤدي بعض الأعشاب إلى الإجهاض أو تشوهات جنينية.

كما شدد على أن العطار لا يمكن أن يكون بديلاً عن الطبيب، وأن التشخيص الطبي يبقى أساسياً لتحديد العلاج المناسب، لافتاً إلى أن بعض الحالات البسيطة فقط قد تستجيب للعلاج بالأعشاب.

وبيّن أن مرضى البحص والرمل والقولون العصبي يشكّلون النسبة الأكبر من المراجعين، مرجعاً توجه البعض إلى الطب البديل إلى ارتفاع تكاليف الكشف الطبي التي تبدأ من 50 ألف ليرة، إضافة إلى كلفة التحاليل والصور.

بدوره، أوضح علي الديب أن اهتمامه بالطب البديل بدأ منذ الطفولة، متأثراً بإرث عائلي، قبل أن يتوسع في الدراسة والاطلاع على كتب ومخطوطات طبية قديمة.

وأشار إلى أن هذا المجال يمتد بجذوره إلى حضارات قديمة، وصولاً إلى الطب العربي الإسلامي.

وأكد أن المهنة شهدت في السنوات الأخيرة دخول ممارسات خاطئة نتيجة غياب المعرفة العلمية لدى بعض العاملين، لافتاً إلى أن أكثر الأعشاب طلباً تتعلق بعلاج القولون والمفاصل وبعض الأمراض المزمنة.

وشدد على أن الطب البديل لا يغني عن مراجعة الطبيب، بل يُعد مكملاً له، وأن تحديد الجرعات يعتمد على عوامل دقيقة مثل وزن المريض وتركيز المادة.

وأوضح أن هناك أعشاباً سامة وأخرى مفيدة، وأن الاستخدام غير الصحيح قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، ما يستوجب معرفة دقيقة بطبيعة كل حالة، إضافة إلى ضرورة السؤال عن الأدوية التي يتناولها المريض لتجنب أي تعارض.

وتشير المعطيات إلى أن انتشار وصفات الأعشاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي زاد من تعقيد المشهد، إذ تُروّج العديد من الخلطات دون أسس علمية واضحة بهدف تحقيق الانتشار، ما يرفع من احتمالات الاستخدام الخاطئ ويضاعف المخاطر الصحية في ظل غياب الرقابة الكافية.

و لا يقتصر الجدل حول الطب البديل والعطارة على كونه مواجهة بين القديم والحديث، بل يتجاوز ذلك ليطرح قضية تمسّ صحة الإنسان بشكل مباشر، فالإشكالية لا تكمن في الأعشاب أو الموروث العلاجي بحد ذاته، بل في غياب التنظيم وترك المجال لغير المختصين لاستثمار حاجة المرضى وآلامهم.

وبين الدعوات إلى صون هذه المهنة وتطويرها ضمن أطر علمية واضحة، والتحذيرات من مخاطرها عند ممارستها دون تأهيل أو ترخيص، تبقى القاعدة الأهم أن العلاج لا يُبنى على التجربة العشوائية، بل على المعرفة الدقيقة والمسؤولية المهنية التي تضمن سلامة الإنسان أولاً.
سلوى الديب

المزيد...
آخر الأخبار