في ذكراه….التوظيف الشعري للغة عند عمر أبو ريشة قصيدة النكبة نموذجاً… مواءمة معجم النص

إذا تتبعنا المواد المعجمية ذات القدرة التمييزية في تحديد معالم رؤيا الشاعر في نصه هذا نجد أن الجذور اللغوية التي تنتمي إلى حقول دلالية تصور سوداوية الرؤيا و قتامتها، تساوي تقريباً تلك التي تنتمي إلى حقول دلالية في عالم الإشراق والتفاؤل والمنعة ، وأبرز مواد الحقول الدلالية للحالة الأولى(العبث والخجل والحزن والدمع والنواح والألم والشكوى والظمأ و الغصة والخسة والدم واليتم والعدوان والذل والجراح والإحجام ) أما أبرز مواد الحقول الدلالية للحالة الثانية فهي ( السيف، والقلم، والمنبر، والكبرياء والإباء والطهر والعز والشرف والنخوة والغُـنْم والمجد والشمم والعلا والأمل والإقدام والنَّـغَـم والطرب والابتسام)‏.
والجدير بالملاحظة أن معظم مفردات أحد هذين الحقلين تربطه داخل القصيدة بمفردات الحقل الآخر علاقات تركيبية مجازية ليست غامضة ، ولكنها موحية وقادرة على التعبير عن المتداخل والمتصارع من العواطف والمقاصد، مما يؤيد ويوضح أن شعرية اللفظة مفهوم تركيبي، نفتقده خارج السياق،كما يوضح ويؤيد أن الغموض في الشعر ليس شرط وجود للتعبير عن المشاعر المتفجرة ، ولذلك كله نجد أن مفردات الإشراق والتفاؤل والقوة في هذا النص ليست أقل قدرة من مفردات العالم المخالف على تعزيز رؤيا القتامة والسوداوية، وما ذلك إلا لترابط مفردات العالمين ترابطاً مكنها من الجمع بين المتناقضات، ومن هذا القبيل جمع أبي ريشة بين نوح الحزانى والطرب، وبين دمع اليتامى والابتسام، وذلك في قوله‏:
اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمي‏
وبفضل العلاقات المجازية بين مفردات النص ظهرت معاني القوة والإشراق والتفاؤل في القصيدة بظهر المَـنْــعيَّ أو الميئوس منه أو المحلوم به، فحلم الشاعر بأن يكون لأمته بعد النكبة (منبراً للسيف أو للقلم) عبر عنه كما لاحظنا سؤال حالم مثقل بغير قليل الإحباط والاضطراب، وهذا يفسر إضافة الغصص إلى المجد في(غصص المجد) وإضافة الكبرياء إلى الألم في(كبرياء الألم) ومن هذا القبيل السؤال عن الإباء الجريح(أي جرح في إبائي راعف) ولذلك من الطبيعي أن نجد صرخة الشاعر لا(تلامس نخوة المعتصم).
إنه الصراع النفسي الذي يمثل كما قلنا القوة الدافعة للشعرية والذي لا يفتأ يطل برأسه في هذا النص ، لأن الشاعر مسكون بحالة من اليأس والأمل فهو يحلم بعودة صفحات مشرقة من تاريخ الأمة ، لكنه الحلم المشوب بالإحباط، وهو ما يصدر عنه سؤال الشاعر لأمته :‏
أين دنياكِ التي أوحت إلى وتري كل يتيم النغـم‏
فالنظرة النصية العامة في وصف الشاعر لنغمه باليتم تكشف عن نوازع متباينة تسكن الشاعر فإذا كان هذا الوصف يكشف من جهة عن فخره بما تفرَّد به في حياته من الإنجازات الفنية تعزيزاً للثقة بالنفس فإن اختياره وصف النغم باليتم تعبير لا شعوري عن حالة الجدب والكآبة التي عاشتها الأمة إثر نكبتها، مما يعني أنه وصف يتواءم إيحائياً مع استعمال الشاعر لليتم في سياقات أخرى من قصيدته، كما يعني أن هذا الوصف من تجليات مخزون عميق من العواطف المتصارعة والمقاصد المتناقضة.‏
ومن عناصر التشكيل اللغوي الموحية بالأمل ورؤية ضوء في نهاية النفق جندي الشاعر (شعاع الأمل المبتسم) ومن ذلك انصرام أمس أمته المخجل في قوله :‏
أتلقاك وطرفي مطرق خجلا من أمسك المنصرم‏
فوصف الشاعر لأمس أمته المخجل بالانصرام وصف تمييزي يفيد الانقطاع وعدم الاستمرار ، لا توكيدي يعبر عن مجرد المضي، يرجح ذلك أمران؛ أولهما عدم الجدوى من توكيد مضي المفهوم من المعنى المعجمي لكلمة الأمس، وثانيهما انسجام معنى الانقطاع مع السياق النصي العام للقصيدة الذي يحمل في طياته رغبة دفينة ظاهرة في عدم استمرار مسلسل الإخفاقات في حياة هذه الأمة، مما يشي بأن اختيار الشاعر للوصف بالانصرام هنا لم يكن بداعي الاستجابة للقافية بقدر ما كان استجابة للحالة النفسية والدلالية النصية العامة لهذه القصيدة .‏
رؤيــــــــــــة‏
وبعد فتلك قراءة في قصيدة النكبة لعمر أبي ريشة؛ أحد أعلام الشعر العربي في القرن العشرين، مما يسمح لها أن تكون أصداء لوجدان الأمة العربية إثر نكبتها بفلسطين عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف، وهي قراءة قامت على العفوية والتلقائية بقدر ما قامت على التأمل والتأويل والتأصيل، لأنها استجابات لتفاعل الذائقة العفوي مع عناصر من التشكيل اللغوي تراءى أنها مصادر الشعرية في هذه القصيدة، وأما كون هذه القراءة تأملية تأصيلية فلأنها حرصت على تفسير تلك الاستجابات العفوية وربطها بما تقوم عليه من الأصول المعرفية ، مما يعني أن هذه القراءة صدرت عن رؤية تجمع بين سمات العلم المضبوط، وذاتية التذوق الشخصي للظاهرة الفنية، ذلك أن البنى الجمالية للنص الأدبي ببعديها الدلالي والنفسي التأثـُّـري والتأثيري قيم معنوية مجردة ذات مفهوم بنيوي تركيبي، فالفن يحمِّل المشاعرَ ماهياتِ من طبيعة الوسيط الذي يتعامل معه كالظلال واللون في الفنون التشكيلية والحركة في الرقص، والكلمة في فنون القول عامة ومن مهمة النقد أن يربط القيم الجمالية ببعديها الدلالي والنفسي بما يجسدها من العناصر اللغوية في ضوء العلاقات النصية العامة، إذ لا بد من أن يكون لهذه القيم مرجعيات في النص تسوغ القول بوجودها، ونزعم أن ربط هذه القيم بمرجعياتها من مظاهرالعلم المضبوط، لأن هذا الربط يمكِّـــنُ من وضع اليد على الشيء كما يمكِّــن من تقيِّــيم التحليل النصي ومحاكمته، وذلك في ضوء المعارف اللغوية والنقدية الموظفة في التحليل نفسه، ولا شك أن اختلافنا في تمثل هذه المعارف مما يكسب الممارسة النقدية مرونة وحيوية وقدرة على التكيــُّـف مع خصوصيات النص ومتلقيه، ذلك أن ربط القيمة الجمالية للنص بحواملها اللغوية ناجم عن تذوقنا لهذه القيم محمولة بما يعبر عنها من عناصر التشكيل اللغوي، وهو تذوق محكوم بملكاتنا الشخصية المتباينة بقدر ما هو محكوم بما تمثلناه من المعارف المختصة والعامة ، مما يفضي بهذا المنهج إلى مشروعية القول بتعدد قراءات النص واختلافها لتعدد المتلقين واختلافهم، كما يفضي به إلى أن يكون وسيلة لإضاءة النص وكشف معالم أدبيته بقدر ما يبعده عن أن يكون مجرد لغة شارحة، فهو بهذا المعنى منهج يحرص على الإقناع والإمتاع وجعل القارئ العادي أشدَّ تفاعلاً مع النص.‏
أسيل وهبي

المزيد...
آخر الأخبار