قلق الامتحانات يؤثر على مستقبل الطلاب

العدد: 
15108
التاريخ: 
الثلاثاء, حزيران 5, 2018

يؤكد علماء النفس بعد دراسات كثيرة و تجارب عديدة قاموا بها أن القلق أخطر الأمراض النفسية التي يتعرض لها الإنسان في هذا العصر. ومع أن القلق شيء طبيعي جدا إذا كان في الحدود المعقولة إلا أن الزيادة فيه تكون عائقا بلا جدال؛ فعند تجاوز القلق الحد الطبيعي يصيب الإنسان التوتر و الضيق و التأزم الذي يمكن أن يسبب معاناة تظهر أعراضها و تطفو على سطح حياتنا النفسية . ويعتبر قلق الامتحان من المواضيع المهمة التي تؤثر في حياة الفرد حيث انك قد تذهب لتؤدي الامتحان بعد استعداد جيد و ثقة ومع ذلك قد تصاب فجأة بنسيان كل شيء يتعلق بالمادة بعد أن يقع بصرك على الأسئلة. يظهر القلق بشكل عارض طبيعي يشكل دافعا إيجابيا لتحقيق الدافعية نحو الانجاز المثمر، وأحيانا يأخذ أعراضاً غير طبيعية كعدم النوم و فقدان الشهية وعدم التركيز وكثرة التفكير في الامتحان وعدم القدرة على استدعاء المعلومات من الذاكرة والانشغال بالنتائج النهائية للامتحان.
يعود القلق لأسباب عديدة تختلف في شدتها و تأثيرها على الطالب ، كالضغط الذي يسببه الأهل ، والدور السلبي للمدرس، والعوامل النفسية كضعف الشخصية ، التحضير غير الجيد ،والإشاعات ، وضغط الأقران ، والانقطاع المبكر عن المدرسة ، لكن القلق الأكبر يسببه الامتحان بحد ذاته و خصوصا في النظم التربوية الغير متطورة و تحديدا التقويم التربوي المتردي.
التقويم التربوي هو عملية إصدار حكم على مدى تحقيق الطالب أو الجهاز التعليمي للأهداف التربوية. لا شك أن للتقويم التربوي مهام عديدة ، كالاطلاع على الأوضاع الدراسية للطلاب و حفزهم على التعلم، وتقويم طرق التدريس و المنهاج من أجل تحسينها. لكن التقويم في معظم مدارسنا و جامعاتنا يعتمد الوسيلة التقليدية الوحيدة و هي الامتحانات. وبدل من أن يكون التقويم وسيلة لتحسين العملية التعلمية و التعليمية أصبح غاية تسلطية تثير الرعب و القلق و الخوف في النفوس والقلوب.


 ولذا ينظر معظم الطلاب إلى الامتحانات على أنها كابوس مفزع وسيف مسلط على رقابهم، فهي في معظمها تتسم بقلة المرونة ، وضعف التعمق في معالجة الموضوعات والتركيز على الحفظ الببغائي (التخزين البنكي) ، وقياس القدرات العقلية الدنيا فقط كالتذكر و الفهم (وهذا يمكن مشاهدته في اختبار الفيزياء للثانوية العامة السورية حيث فرّغ التقويم المادة من محتواها الفكري والعلمي) ، وإهمال عمليات التطبيق و التحليل و التركيب والتقييم ، و الافتقار إلى شروط الاختبار الجيد كالصدق و الثبات و الموضوعية و الشمول و سهولة التطبيق و التدرج في السهولة و الصعوبة. إن التركيز على اختبار واحد في نهاية العام يقيس مدى حفظ الطالب للمادة الدراسية، وبعيداً عن الشمولية و الموضوعية و التشخيص الحقيقي، يعطي الامتحانات أهمية كبيرة تؤثر على نفسية الطالب وتحدد مستقبله بشكل خاطئ ( يمكن لطالب لديه ملكة الحفظ الصم - و هي ملكة متواضعة بالنسبة لباقي الملكات - أن ينال الدرجات العالية و يدخل الفرع الأكثر أهمية بينما الطالب الذي يمتلك التحليل و التركيب و التقويم يبقى ترتيبه في ذيل القائمة) .
 لقد أدى التركيز الكبير على الامتحان الواحد و العلامات أحيانا إلى بروز النزعة الفردية والسلبية والمصلحة الذاتية (فكيف لمثل هؤلاء العمل ضمن فريق في المستقبل ، ونحن نعلم أنه لا يمكن لشخص أن يدير مؤسسة بشكل ناجح دون عمل جماعي
. كما أن تصحيح الامتحانات غالبا ما تتدخل فيه العوامل الذاتية ، بسبب اختلاف سويات المعلمين العلمية و النفسية و الاجتماعية ، مما يجعل نتائج التصحيح غير محكمة وغير عادلة ،   ولعل الحلول تبدو واضحة ولكن تنتظر الظروف المناسبة لدفعها . ونذكر منها:  تنويع وسائل التقويم لتشمل أراء المدرسين و المقابلات و الاستبيانات و التقارير و البحوث وتحضير الدروس و الملاحظة والسيرة الذاتية والاختبارات النفسية و الامتحانات بأنواعها.  
أيضا تطوير الاختبارات لتشمل المستويات العليا للتفكير والتحليل و إثارة المشكلات والبحث و المقارنة و الاستنباط و الاستنتاج .... إلخ.   وجعل التقويم عملية مستمرة تساير كامل مراحل العملية التعلمية التعليمية و تدريب المعلمين على عمليات القياس و التقويم ( مركز القياس و التقويم في سورية إلى الآن لم يظهر منه ما يؤشر على عمل حقيقي له نتائجه على أرض الواقع في التعليم ما قبل الجامعي بالرغم من مرور حوالي ست سنوات على إحداثه) .


ولكي يتجاوز طلابنا الامتحانات وبشكل جيد ننصحهم بالإعداد الجيد وأن لا يراكم المواد ويتركها حتى أيام الاختبارات. والثقة بالنفس وعدم الاستماع للإشاعات مهما كان مصدرها . تذَكُر الألم والأمل؛ فتذكر الأمل والنجاح الذي يريد أن ينجزه، وكذلك عندما يتذكر الطالب الألم والمرارة التي تترتب على الإخفاق أو على الرسوب والفشل والإحراج الذي يجده الإنسان أمام نفسه، وأمام أهله وأمام المجتمع لاشك أن ذلك يؤدي إلى استثمار كافة قدراته للبذل والعطاء وسيدفعه إلى العمل والإنجاز. أيضاً استثمار الطاقات الإنسانية الكامنة ؛ فكل منا لديه طاقات كامنة عظيمة وكبيرة ، فعلى الطالب أن يستثمر هذه الطاقات ويحولها إلى إنجاز، وتنظيم الوقت من خلال توزيع المواد على الأيام المتبقية قبل الاختبارات، ولا يقف كثيراً عند الأشياء اليسيرة، وإنما يمر عليها مروراً سريعاً، وبالذات في هذه الأيام قبل الاختبارات بعدة أيام، بحيث لا تأتي الاختبارات إلا وقد مر على معظم المناهج إعادة و تكراراً فقط. الاسترخاء والتخيل الايجابي؛ بحيث يجلس الطالب في مكان هادئ لا توجد فيه منغصات، ثم يبدأ بإغماض عينيه والاستلقاء على السرير بالطريقة التي تريحه، ويبدأ يأخذ نفسا عميقا وبطيئا ويخرج النفس بعمق وببطء أيضا، يكرر هذه العملية التنفسية مرات عدة، ويشعر نفسه بالهدوء والراحة والاسترخاء أثناء التنفس. ولا بد من تناول بعض المأكولات والمشروبات التي تساعد في تنشيط الدماغ . كالإكثار من شرب الماء وتناول الخضروات الورقية ، والسمك ، والفواكه الطازجة، والنشويات التي تعطي طاقة أكبر للدماغ. وإذا لم ينفع شيء مما سبق فعلية مراجعة الطبيب المختص ليقدم الدواء اليسير الذي يهدئ القلق، ويساعده في التركيز؛ حتى لا يخسر الطالب هذه الأيام ويخسر النجاح في الاختبارات، بسبب هذا القلق.
في النهاية نتمنى لطلابنا النجاح و التوفيق وتجاوز الامتحانات رغم كل المنغصات و المعوقات التي تقف أمام تقدمهم نحو مستقبلهم المشرق الذي هو مستقبل الوطن وهنا نذكرهم بقانون التوقع : « إن ما نتوقع أن يحدث بقوة، يصبح سبباً للاتجاه نحو ما توقعناه».

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
علي محمد