السياحة دعامة أساسية لمستقبل مشرق .. نفط سورية المستقبلي بحاجة التخطيط الصحيح لتحقيق الاستثمار الأمثل

العدد: 
15149
التاريخ: 
الأحد, آب 5, 2018

تعتبر السياحة من دعائم الاقتصاد الوطني نظراً لما تتمتع به سورية من مقومات طبيعية وتاريخية ,وتحتل السياحة أهمية كبرى لما لها من دور فعال في تنشيط جميع القطاعات الاقتصادية و تسويق إضافي للسلع المنتجة محلياً وتوفير فرص عمل متجددة ..

انخفاض عدد الزائرين من 5 ملايين إلى 400 ألف

العروبة التقت الدكتور مهدي الزغبي أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في جامعة دمشق  للاطلاع و بشكل علمي على واقع السياحة السورية ,خاصة في ظل عودة الأمن و الأمان لأغلب المناطق السورية و قال: أولت الحكومات السورية المتعاقبة القطاع السياحي خلال السنوات التي سبقت الحرب اهتماماً منقطع النظير،كون  بلدنا تعد مقصداً سياحياً متكاملاً لاتساع دائرة النشاط وتنوع المنتج السياحي، بفضل ما تتمتع به من مناخ ملائم على مدارالعام ، عدا عن مخزون التراث التاريخي والحضاري وتعدد العناصر الطبيعية والبيئية والثراء الفني والثقافي، فضلاً عن البنى التحتية والقوانين التي تسهل حركة وإقامة السياح، وازدهرت منذ سنوات السياحة الثقافية والتاريخية، والبيئية، والدينية، وسياحة المهرجانات، والتسوق وغيرها.

الواقع السياحي بالأرقام
و أضاف الزغبي :رغم  أن صناعة السياحة في سورية قبل الحرب كانت لا تزال في طور النمو,إلا أنها كانت من أهم مصادر الدخل الوطني بالنسبة للعملات الأجنبية, ومن أهم وسائل جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، حيث ارتفعت نسبة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 9% عام 2002 إلى نحو 14%في العام 2010، ووفرت  فرص عمل لحوالي 13% من مجموع القوة العاملة، وكان من المتوقع أن ترتفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 400 مليار ليرة عام 2010 إلى 570 مليار ليرة عام 2014، بزيادة 42%،  حيث بلغ الفائض الذي حققته السياحة في ميزان المدفوعات 134.2 مليار ليرة ومساهمتها في الميزان التجاري 34% من صادرات السلع و78% من صادرات الخدمات، إلى جانب توفير جزء كبير من احتياطي البلاد من القطع الأجنبي قدرت نسبته بـ 31%, في ظل عدم حاجة هذا القطاع للكثير من المدخلات بالعملة الصعبة أو التقنيات التكنولوجية الباهظة الثمن.

ترتيبات عالمية
 مشيراً إلى أن ما سبق ذكره  جعل سورية تحتل مكانة متميزة على صعيد خارطة السياحة الدولية حيث انتقل ترتيبها من 161 إلى الترتيب 48 من أصل 176 دولة،‏ كما جاءت في المرتبة الثانية عالمياً في تقرير المجلس الدولي للسياحة والسفر حسب نسبة نمو سياحة الأعمال عام2008, وفي المرتبة الثانية عالمياً حسب توقعات نمو العمالة في القطاع السياحي, وفي المرتبة الأولى عالمياً في الأمن والاستقرار حسب تقرير التنافسية العالمي الصادر عن منتدى دافوس نتيجة عدم وجود أي كلفة على الاستثمارات فيها ناجمة عن الإرهاب أو الجريمة المنظمة، واحتلت سورية حسب إحصاءات تابعة لمنظمة السياحة العالمية المرتبة الرابعة في الشرق الاوسط من حيث عدد السياح الذين تجاوز عددهم 5 ملايين زائر في عام 2010.

خسائر للقطاع السياحي
وأضاف : أثرت الحرب التي تعرضت لها  البلاد على كل مفاصل الحياة و العمل ,و كان التأثير المباشر على القطاع السياحي و قال  الزغبي : عانى هذا القطاع في مختلف مكوناته وتضررت الكثير من المنشآت والمواقع الطبيعية والأثرية والبنى التحتية،ولم تمض سنتان على الحرب حتى شهد هذا القطاع خسائر بالجملة من مختلف النواحي وعلى صعيد جميع الأنشطة السياحية المباشرة وغير المباشرة،فتراجعت أعداد السياح من 5 ملايين في 2010 إلى أقل من 400 ألف في 2014،كما قدرت مجموع الخسائر بمبلغ 387 مليار ليرة سورية، بحسب وزارة السياحة، وتشمل الأضرار المباشرة وغير المباشرة وتوقف الاستثمار وضياع فرص العمل..
وأشار إلى أن  الأرقام السابقة يمكن أن تكشف لنا حجم الخسارة التي تعرض لها الاقتصاد الوطني، فالقطاع السياحي وبسبب انتشاره على طول خارطة البلاد وعرضها كان أحد أكبر القطاعات المتضررة،و انخفض القدوم السياحي بنسبة 98% واقتصر على القادمين بشكل رسمي أو للسياحة الدينية، وانخفضت نسبة الإشغال في الفنادق من متوسط بلغ 90 % قبل سنوات الحرب التي بدأت في آذار2011 إلى أقل من 15 %، وتوقفت أكثر من 305 منشآت فندقية عن العمل بنسبة 42,3% من إجمالي الطاقة الفندقية، وخرج أكثر من 870 مطعماً عن الخدمة وشكل هذا الرقم نسبة 38,6% من إجمالي عدد منشآت الإطعام، وبذلك بلغ إجمالي الأضرار التي لحقت بتلك المنشآت حوالي 11 مليار ليرة سورية إلى جانب 7 مليارات ليرة حجم الدمار في المنشآت والمباني التابعة لوزارة السياحة نفسها،كما توقف العمل في أكثر من 300 من المشاريع السياحية قيد التنفيذ وبإجمالي استثمارات وصلت إلى نحو نصف مليار.

عودة النبض للسياحة
 وعن إجراءات وزارة السياحة في الأعوام التي بدأ فيها اتساع المساحة الآمنة والاستقرار بفضل بطولات وتضحيات الجيش العربي السوري قال الزغبي : على الرغم من الدمار الهائل الذي أصاب القطاع السياحي إلا أن السياسات التي اتبعتها الوزارة ساهمت تدريجياً في إعادة الروح والحياة إليه، حيث تم التركيز خلال الفترة مابين عامي 2013-2015 على محورين أساسيين، محور السياحة الداخلية، ومحور السياحة الدينية،وحرصت الوزارة على التدخل الإيجابي المدروس من خلال الترويج وإقامة بعض المشاريع والأنشطة وطرح مشاريع واقعية تلائم الظروف، كبرنامج السياحة الريفية والبرنامج الوطني للسياحة الداخلية، وكانت الوزارة قد طرحت 25 مشروعاً صغيراً ومتوسطاً في 2014 للاستثمار أغلبها فنادق نجمتين ومطاعم وشواطئ مفتوحة في كل من دمشق وطرطوس واللاذقية والسويداء وتكاليفها ما بين 15 و 100 مليون ليرة،كما أصدرت الوزارة في أيلول عام 2014 رخصاً لبناء 22 كتلة شاليهات طابقية في طرطوس بتكلفة 335 مليون ليرة، وفي عام 2016 تجاوز عدد السياح  500 ألف زائر، لتزداد نسبة القدوم  إلى سورية حوالي 30% في عام 2017، وخاصة من قبل الزوار الأجانب.

التخطيط المناسب هو الأهم
وأضاف الزغبي :مما لاشك فيه أنه مع عودة الأمن والأمان إلى سورية سيكون هناك مستقبل سياحي مزدهر في حال  وجد التخطيط المناسب ، لذلك فالمطلوب من الجهات العامة بذل  كل جهد لتذليل كافة المعوقات والصعوبات التي تعيق النهوض بالقطاع السياحي، وفي مقدمتها دعم المشاريع الاستثمارية من خلال توفير المناخ الملائم للاستثمار وتقديم حوافز مغرية للمستثمرين، والتخفيف من آثار التضخم على العمل والإنتاج والعاملين في منشآت القطاع السياحي بهدف رفع إنتاجيته ومساهمته في الناتج المحلي،وتقديم الحوافز اللازمة للخبرات السياحية الموجودة والاستفادة ما أمكن من خبراتهم في سبيل تنمية وتطوير هذا القطاع الحيوي الهام.
ولابد من الإسراع في إعادة إعمار المباني والمنشآت السياحية المتضررة التابعة للوزارة وللقطاع الخاص، ووضع خطة شاملة للتسويق والترويج السياحي داخلياً وخارجياً، والقيام بالعديد من الحملات الإعلانية العالمية للترويج للخصائص البيئية والثقافية والمناخية والجغرافية والصحية التي تتمتع بها بلادنا، و التخطيط لرحلات سياحية يتم خلالها اصطحاب عدد من السياح وممثلي عدد من المؤسسات الإعلامية العالمية في جولة لإطلاعهم على تطور الخدمات السياحية في سورية،وكذلك لا بد من الحرص على تعزيز الاستثمار السياحي مع الدول الصديقة وأبناء الوطن في المغتربات، مما يضمن تحقيق تدفق رؤوس الأموال الوطنية والصديقة،وتعزيز دور القطاع الخاص نحو مراحل استثمار سياحي مغرية وجذابة في مناطق محددة ومن ثم التوسع عبر زيادة معدل السياحة حتى تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة، وهنا لابد من دعم إقامة مشاريع سياحية صغيرة ومتوسطة تسهم في تنمية المجتمع المحلي،وتقديم التسهيلات والحوافز للمشاريع المتوقفة والمتضررة، وإعداد التشريعات اللازمة لتخفيف الأعباء التمويلية عن مالكي المنشآت السياحية المتضررة لزوم وضعها بالخدمة مجدداً، وتبسيط إجراءات التراخيص المطلوبة أمام المستثمر السياحي،وإنجاز الترويج الاستثماري لمشاريع إعادة الإعمار لهذا القطاع تحديداً ،والارتقاء بالتخطيط  كسبيل إلى تنمية سياحية متوازنة وفق معايير مختارة لتحديد الاتجاه التخطيطي الملائم لكل منطقة بما يراعي خصوصيتها البيئية أو التاريخية أو الثقافية أو الشعبية أو الدينية.

ربط السياحة بقطاعات متعددة
ومن الأهمية بمكان ربط النمو السياحي بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووفقاً للمجلس العالمي للسياحة والسفر WTTCفإن مصطلح التنمية السياحية يعبر عن مختلف البرامج والخطط التي تهدف إلى تحقيق الزيادة المستمرة والمتوازنة في الموارد السياحية وتعميق وترشيد الإنتاجية، وهي عملية مركبة ومتشعبة تضم عدة عناصر متصلة ببعضها ومتداخلة, تقوم على محاولة علمية وتطبيقية للوصول إلى الاستغلال الأمثل لعناصر الإنتاج السياحي، وربط ذلك بعناصر البيئة وتنمية مصادر الثروة البشرية للقيام بدورها في برامج التنمية.

أخيراً
 يمكن القول: إن السياحة تمثل إحدى الدعامات الاساسية التي يجب أن نعتمد عليها في صناعة المستقبل المشرق لبلدنا الحبيب سورية وقد أطلق عليها بعض الخبراء نفط سورية المستقبلي، وهي خيار أساسي يجب العمل على نجاحه ودعمه بكل الوسائل خاصة في ظل عملية إعادة الأعمار، لما للقطاع السياحي من أهمية كبيرة في دعم وتنشيط الاقتصاد الوطني وتأمين فرص العمل ورفع مستوى المعيشة وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الناتج والدخل الوطني والعودة بسورية إلى سابق عهدها بل والقفز بها إلى مصاف دول الجذب السياحي المتقدمة.

المصدر: 
العروبة