يعتمد أكثر من 80 بالمئة من سكان منطقة القصير على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، ما يجعل القطاع الزراعي الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي، في وقت يواجه فيه المزارعون تحديات متراكمة تتصل بارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الدعم، مقابل مؤشرات إيجابية هذا الموسم مع تحسن الهطولات المطرية وعودة الأهالي إلى قراهم.
سنوات الحرب خلّفت أضراراً واسعة في البنى التحتية وشبكات الري والمستلزمات الزراعية، إلا أن المزارعين واصلوا التمسك بأراضيهم والإصرار على الإنتاج.
وفي لقاءات مع عدد منهم، برزت مشكلات تتصدرها أزمة الري وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة.
المزارع ياسر الحسيكي أوضح للعروبة أن توقف شبكة “أعالي العاصي”، المصدر الرئيسي للري في المنطقة، فاقم معاناة الفلاحين، بالتوازي مع الارتفاع الكبير في أسعار بذار القمح والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية وصعوبة تأمينها في الوقت المناسب.
بدوره أشار المزارع خالد الزهور إلى صعوبة تصريف المنتجات الزراعية وارتفاع أجور النقل والشحن مقارنة بانخفاض أسعار المحاصيل، ما يؤدي إلى خسائر متكررة، لافتًا إلى ارتفاع أجور اليد العاملة ونقصها خلال ذروة الموسم، الأمر الذي يرفع تكاليف الإنتاج ويقلص هامش الربح.
أما المزارع أيمن كاسوحة فلفت إلى ضعف دعم المستلزمات الأساسية من أسمدة ومحروقات ومبيدات حشرية، إضافة إلى صعوبات حفر الآبار وتعزيلها في ظل الحاجة الملحّة لمصادر ري بديلة بعد تضرر الشبكات.
من جهته، بيّن محمد السوقي رئيس دائرة الزراعة في القصير أن الواقع الزراعي جيد نسبياً هذا الموسم رغم استمرار التحديات، مشيراً إلى صعوبات تأمين الأسمدة والبذار وغراس الأشجار المثمرة لتعويض المتضرر منها، فضلًا عن غياب المحروقات المدعومة اللازمة لضخ مياه الري وتشغيل الآليات.
وتشمل المحاصيل الاستراتيجية في المنطقة القمح والشعير مروياً وبعلاً، إضافة إلى الخضار الشتوية كالفول والبازلاء والملفوف، والخضار الصيفية مثل الفليفلة والباذنجان والبندورة والبطيخ، إلى جانب البطاطا والذرة الصفراء، والأشجار المثمرة كالمشمش والتفاح والزيتون.
وأوضح السوقي أن تنفيذ خطة القمح المروي بلغ نحو 70 بالمئة، فيما أُنجزت كامل المساحة المقررة للشعير المروي والبعل، ونحو 75 بالمئة من خطة الخضار الشتوية. كما استثمر بعض المزارعين 30 بالمئة من الأراضي المتضررة بمحاصيل سريعة الإنتاج خلال الموسم ذاته، بينما اتجه آخرون إلى تشجير أراضيهم بأشجار مثمرة تحتاج من أربع إلى خمس سنوات للإثمار.
وبيّن أن أبرز العقبات تتمثل في تأخر تسليم بذار القمح والأسمدة وارتفاع تكاليف النقل من مدينة حمص إلى الأراضي الزراعية، إضافة إلى انقطاع شبكة أعالي العاصي وردم معظم الآبار الارتوازية خلال سنوات الحرب، إلى جانب غياب الدعم الكافي للمحروقات والأسمدة وارتفاع أسعارها، وصعوبة تصريف المنتجات نتيجة ضعف إمكانات التخزين وارتفاع أجور النقل وانخفاض أسعار بعض المحاصيل الشتوية.
وفي ما يتعلق بالآفات الزراعية مثل فأر الحقل والخلد، أكدت دائرة الزراعة أن مكافحتها تتم عبر المبيدات المتوفرة لديها وهي حاليًا ضمن الحدود.
وفي إطار التخفيف من الأعباء، أطلقت وزارة الزراعة مشروع “القرض الحسن” لتأمين بذار القمح والأسمدة للمزارعين، كما تعمل دائرة الزراعة على ترميم مشتل القصير الحراجي وتحويل جزء منه لإنتاج الأشجار المثمرة، إلى جانب السعي لإعادة تأهيل شبكة أعالي العاصي.
وتشمل المقترحات المستقبلية تسهيل إجراءات ترخيص الآبار وتجديد الرخص القديمة، وتقديم قروض للطاقة الشمسية لتشغيل مضخات الري، وتشجيع أساليب الزراعة الحديثة عبر قروض ميسّرة دون فوائد.
من جهته أكد المهندس أحمد المحمد رئيس الرابطة الفلاحية في القصير ، أن الإقبال على الزراعة هذا العام جيد جدًا مع تحسن الهطولات المطرية وعودة الأهالي، إلا أن تردي الأوضاع الاقتصادية يجعل تأمين مستلزمات الإنتاج أمرًا بالغ الصعوبة رغم توفرها في الأسواق، بسبب ارتفاع أسعارها وغياب الدعم الكافي.
ويُجمع الفلاحون على مطالب أساسية تتصدرها دعم الأسمدة والمحروقات وتأمينها بأسعار مناسبة، ومنح قروض طويلة الأمد دون فوائد، وفتح أسواق خارجية لتصريف المنتجات وتسهيل التصدير إلى الدول المجاورة، ودعم الزراعة الحديثة وأنظمة الري بالطاقة الشمسية، وتأمين البذور المحسّنة والمبيدات بأسعار مدعومة.
ويبقى القطاع الزراعي في القصير أمام معادلة دقيقة بين تحديات الكلفة والدعم من جهة، وإرادة الفلاحين وتحسن الظروف المناخية من جهة أخرى، في انتظار خطوات عملية تعزز استقرار الإنتاج وتدفع نحو تعافٍ مستدام للمنطقة.
هيا العلي
