تقف دائرة آثار تدمر، المُحدثة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني الماضي، أمام تحديات كبيرة تعيق انطلاق مشروع ترميم وإعادة تأهيل المواقع الأثرية المتضررة خلال سنوات الحرب، في ظل غياب التمويل والكوادر الفنية المتخصصة والمعدات اللازمة، وذلك بعد فصلها عن دائرة آثار حمص.
رئيس دائرة آثار تدمر حسن علي أوضح لـ “العروبة”، أن النظام البائد استغل ملف الآثار لتحقيق مكاسب سياسية، متجاهلاً حجم الأضرار التي لحقت بالتراث الحضاري والثقافي لسوريا عموماً ولمدينة تدمر خصوصاً.
المواقع المتضررة
وبيّن علي أن الكشف الميداني على متحف تدمر الوطني أظهر تحطم معظم التماثيل والأسرة الجنائزية في حديقته، إضافة إلى أضرار إنشائية كبيرة ناجمة عن القصف الجوي أدت إلى فتحات في السقف وتشويه أو تحطم المعروضات المتبقية.
وأشار إلى أنه تم نقل قسم من مقتنيات المتحف إلى متحف دمشق قبيل سيطرة تنظيم داعش، مؤكداً أن المتحف حالياً خارج الخدمة.
وفيما يتعلق بقلعة تدمر، المعروفة بالقلعة الأيوبية، لفت إلى تضرر جدرانها وانهيار أجزاء من أبراجها العلوية، لا سيما في الجانبين الشرقي والجنوبي.
أما معبد بل شامين فتحول إلى ركام بعد تفجيره عام 2015، ولم يتم حتى الآن توثيق الأضرار تمهيداً للترميم. كما تعرض معبد بل للتفجير في الثلاثين من آب 2015، ما أدى إلى انهيار أعمدة الأروقة المحيطة به وبقاء دعامات المدخل فقط.
وأشار علي إلى تضرر قوس النصر في الشارع الطويل نتيجة سقوط قذيفة، كما أظهرت الكشوف تعرض التترابيل أو المشانق الأربعة للتفجير وتحول أعمدتها إلى ركام متناثر.
تنقيب غير مشروع
وأكد علي أن الادعاءات السابقة من قبل النظام المخلوع بحماية المدينة الأثرية تتناقض مع الوقائع، مشيراً إلى أن المعارك ألحقت أضراراً واسعة بالمواقع الأثرية، فضلاً عن عمليات تنقيب سرية وغير مشروعة في منطقة المدافن الشمالية، والتعدي على مضمار الهجن عند إنشاء قاعدة روسية ومهبط للطائرات المروحية، إضافة إلى أعمال حفر قرب معسكر ديقلوسيان الأثري، ما يشير إلى أن تلك الأعمال جرت بإشراف وحماية من قوات النظام البائد.
إعداد قاعدة بيانات
وكشف علي عن اتفاق مع منظمة “تراث من أجل السلام”لإزالة الألغام من منطقة المدافن الشمالية ومحيط القاعدة الروسية المقامة في مضمار السباق، على أن يجري تقييم الأضرار لإعداد قاعدة بيانات تستعين بها الجهات المعنية في مشاريع الترميم وإعادة التأهيل.
تأهيل المتحف
وأضاف أن الدائرة في طور الاتفاق مع مؤسسة فرنسية سويسرية تُدعى “إيليفت”لإعادة تأهيل المتحف خلال الأشهر القادمة، تمهيداً لاستعادة القطع الأثرية الموجودة في مستودعات المديرية العامة للآثار والمتاحف.
مشاريع بانتظار التمويل
وأشار علي إلى وجود عدة مشاريع مقترحة تحتاج إلى تمويل، منها إعادة تأهيل الطريق الواصل بين المدينة السكنية والواحة، وإزالة الأنقاض والسواتر الترابية من منطقة المضمار والمدافن الشمالية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 2011.
كما يجري العمل على إحداث مبنى للدائرة ضمن مركز الزوار، المعروف بمتحف التقاليد الشعبية، وتجهيز الجسر الواصل إلى القلعة تمهيداً لتقييم أضرارها بدقة ثم إعادة تأهيلها. وأوضح أن المواقع الأثرية المنتشرة في البادية تحتاج إلى فرق مختصة بإزالة الألغام والمخلفات العسكرية قبل البدء بتقييم الأضرار.
توصيات ومقترحات
وشدد مدير دائرة آثار تدمر على ضرورة تحرك عاجل من الجهات الرسمية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لترميم الإرث الثقافي وحماية المدينة الأثرية من النهب والتخريب، مع وضع قوانين وخطط تجرم المساس به، وتعزيز الوعي بالقيمة الثقافية للمواقع الأثرية، ولا سيما بين سكان المدينة، وإشراك المجتمع المحلي في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها.
وأكد أهمية إلغاء التعامل مع المنظمات الروسية في عمليات الترميم والتأهيل، معتبراً أنها تحاول طمس حقيقة ما ارتكبه النظام البائد بحق تدمر وآثارها.
وختم علي بالقول إن الحديث عن ترميم الآثار قد يبدو ثانوياً أمام حجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية وحاجتها الملحّة إلى إعادة الإعمار، غير أن الإرث الثقافي والحضاري لتدمر يشكّل جزءاً أصيلاً من هوية المدينة وذاكرتها، ما يجعله أولوية لا تقل أهمية، ولا سيما أن إعادة تأهيله تمهّد لعودة النشاط السياحي وتسهم في إنعاش الحياة الاقتصادية وإعادة الروح إلى المدينة.
العروبة – سهيلة إسماعيل
