حرفة النحاس في حمص على حافة الاندثار… غياب الدعم يهدد إرثاً عريقاً

تواجه حرفة النحاس في مدينة حمص تحديات متزايدة تهدد استمرارها، في ظل منافسة المنتجات الحديثة الرخيصة وارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم الحكومي للحرف التقليدية، ما يضع إحدى أعرق المهن اليدوية في المدينة أمام خطر الاندثار بعد أن شكّلت لعقود طويلة جزءاً من هويتها الثقافية والحرفية.

في سوق النحاسين، حيث ما تزال أصوات المطارق تتردد بين الأزقة القديمة، يواصل عدد من الحرفيين العمل رغم الظروف الصعبة، محافظين على مهنة توارثتها الأجيال وصنعت من النحاس أدوات منزلية وتحفاً فنية زينت البيوت والقصور عبر التاريخ.

تاريخ طويل ومنافسة حديثة

الحرفي نجم الدين النحاس يروي ارتباط عائلته بهذه المهنة التي توارثتها منذ عام 1800، موضحاً أن صناعة النحاس كانت في الماضي تتركز على أدوات المطبخ الأساسية كالأواني والصحون والملاعق، قبل أن تتراجع مع انتشار الألمنيوم والبلاستيك بسبب ارتفاع سعر النحاس مقارنة بالبدائل الحديثة.

ورغم هذه المنافسة، حاول الحرفيون تطوير عملهم بالاتجاه نحو الصناعات الفنية والديكورية، ويشير النحاس إلى أن معملهم في المدينة الصناعية بحسياء ينتج قطعاً فنية من النحاس الأحمر، مثل مناسف الطعام المزخرفة وأصص الورود، إضافة إلى ثريات فاخرة تُطلى بالذهب أو الفضة وفق طلب الزبائن.

ويضيف أن هذه المنتجات ما تزال تجد مكانها في الفنادق الكبرى التي تسعى لإبراز الطابع الشامي الأصيل، كما تُطلب بعض القطع في دمشق ودول الخليج ولاسيما في الإمارات.

فن النقش والزخرفة

ويؤكد النحاس أنه كان من أوائل من أدخل فن “النفر” إلى أعمال النحاس في حمص، وهو أسلوب يعتمد على رسم الزخارف والنقوش العثمانية والمعمارية على المعدن.

ويضيف أن الوقت اللازم لإنجاز القطع يختلف بحسب حجمها وتعقيد نقوشها، إذ قد يستغرق تصنيع بعض الأواني يوماً كاملاً، بينما تحتاج القطع المزخرفة إلى يومين أو ثلاثة أيام لإنجازها بدقة.

ويشير إلى أن الأدوات المستخدمة بسيطة، كالسندان والمطارق والأزاميل، غير أن أصعب مراحل العمل تتمثل في تشكيل القطعة الأساسية التي تتطلب طرقاً وتسخيناً مستمراً. ويقول:”كل حرفي يضع جزءاً من روحه في القطع التي يصنعها”، وهو ما يمنح كل قطعة طابعاً فريداً يعكس خبرة الحرفي ولمسته الفنية.

أنواع النحاس وخصائصه

يشير الحرفيون إلى نوعين رئيسيين من النحاس المستخدم في الصناعة.

النحاس الأحمر، وهو المعدن الخام الأكثر استخداماً في صناعة الأسلاك الكهربائية والأدوات المنزلية نظراً لقدرته العالية على تحمل الحرارة أثناء الطهي، كما يتميز بثباته وعدم تغيره مع مرور الزمن.

أما النحاس الأصفر، فهو خليط من النحاس الأحمر والزنك “التوتياء”، ويُستخدم غالباً في صناعة دلال القهوة والأطباق المزخرفة بسبب لونه القريب من الذهب، إلا أن من عيوبه قابليته للتشقق مع مرور الزمن.

تحديات تهدد المهنة

ويواجه الحرفيون اليوم جملة من التحديات، من بينها انتشار المكابس الآلية التي تنتج قطعاً معدنية بسرعة وتكلفة أقل، رغم أنها لا تضاهي جودة العمل اليدوي أو تصاميمه الخاصة التي يستوحيها الحرفيون من الزخارف الرومانية والعثمانية.

كما تفاقمت الصعوبات خلال السنوات الماضية بعد تعرض معاملهم للسرقة وفقدان معداتهم، ما اضطر بعضهم إلى بيع محلاتهم وإنفاق مدخراتهم، والعمل اليوم في محلات مستأجرة بظروف صعبة، في ظل غياب أي دعم حكومي للحرف التقليدية المهددة بالاندثار.

ويأمل الحرفيون أن تبادر الجهات المعنية إلى إنشاء أسواق حرفية مخصصة لهم بأسعار مناسبة، تتيح لهم الاستمرار في عملهم إلى جانب حرف أخرى كالحفر على الخشب.

من جهته، يشير الحرفي زكريا الشعار، الذي يعمل في تبييض النحاس، إلى صعوبات إضافية تواجههم، أبرزها نقص مادة الغاز اللازمة للعمل، والارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية.
ويضيف أن سعر كيلو القصدير ارتفع من نحو 200 ألف ليرة سورية إلى مليون ليرة، متأثراً بتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى تأثير إغلاق الحدود مع لبنان على حركة العمل والتجارة.

إرث مهدد بالصمت

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمهنة تقليدية فحسب، بل بإرث ثقافي وتاريخي يشكل جزءاً من ذاكرة مدينة حمص وسوريا عموماً.
فالحرفيون الذين ما زالوا يطرقون النحاس اليوم يحافظون على فن عريق توارثته الأجيال، ويضعون خبرتهم وشغفهم في كل قطعة يصنعونها.

غير أن هذا الشغف وحده قد لا يكون كافياً لضمان استمرار المهنة، فغياب الدعم الحقيقي والمبادرات الجادة لحماية الحرف التقليدية قد يؤدي في النهاية إلى اختفاء أصوات مطارق النحاسين من أسواق المدينة القديمة، لتغيب معها صفحة مضيئة من تاريخ الحرف اليدوية التي شكّلت يوماً جزءاً أصيلاً من هوية المكان.

العروبة – سلوى الديب

المزيد...
آخر الأخبار