بين جدران المركز الثقافي في مدينة القصير بريف حمص الجنوبي الغربي، بدا المعرض التراثي الذي افتتح اليوم الإثنين كمساحة لإعادة وصل ما انقطع من الذاكرة المحلية، حيث تداخلت المقتنيات القديمة مع اللوحات الفنية والأدوات الزراعية في مشهد يعيد تقديم ملامح الحياة الريفية كما كانت عليه قبل سنوات، ضمن فعاليات أسبوع التراث المادي الذي تنظمه مديرية الثقافة في حمص.
ذاكرة تُستعاد بعد سنوات من التحديات
ويهدف المعرض، الذي يضم مقتنيات تراثية ولوحات فنية ومنتجات وأدوات زراعية قديمة، إلى إبراز الموروث الثقافي المحلي والتعريف بالحرف التقليدية، في إطار الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز حضورها في المجتمع.
وفي هذا السياق، أوضح مدير المركز الثقافي في القصير عبد المجيد قرنداش لـ سانا أن مقتنيات المعرض جُمعت من أهالي المنطقة “بصعوبة”، بعد ما تعرضت له المدينة من تخريب وسرقة خلال فترة النظام البائد، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي هو تعريف الأجيال الجديدة، ولا سيما العائدين من مخيمات النزوح وبلدان الاغتراب، على تفاصيل من تراثهم المحلي الذي كاد أن يندثر.
وأضاف قرنداش: إن المركز يعمل ضمن خطة وزارة الثقافة ومديرية الثقافة في حمص على تنشيط الواقع الثقافي والفكري بمدينة القصير، عبر فعاليات دورية تسهم في إعادة إحياء الذاكرة المجتمعية.
الفن كجسر إلى الماضي
داخل أروقة المعرض، حضرت اللوحات الفنية بوصفها جزءاً من الذاكرة الشخصية والجماعية في آن واحد، حيث قدّم الفنان التشكيلي يحيى الزهوري، وهو من أبناء القصير، مجموعة من الأعمال التي استلهمها من ذاكرته وحنينه إلى المدينة.
ويقول الزهوري: “إن مشاركته تأتي من شعور عميق بالارتباط بالمكان، مضيفاً: إن لوحاته تعكس علاقة وجدانية بالوطن وبالمدينة التي غاب عنها لسنوات، في محاولة لاستعادة ملامحها عبر الفن البصري.
حرف تقليدية تواجه الاندثار
إلى جانب اللوحات، برزت الحرف اليدوية بوصفها شاهداً على تحولات الحياة الريفية، حيث عرض عمر الخولي نماذج من مكانس القش التي يصنعها من نبات “المكنس”، وهو نبات كان يُزرع على أطراف بساتين نهر العاصي في منطقة القصير.
ويشير الخولي إلى أن هذه الحرفة بدأت بالاندثار نتيجة توقف زراعة النبات الخاص بها، لافتاً إلى أنه لا يزال يحتفظ ببعض القطع القديمة، ويأمل بنقل هذه الخبرة إلى الأجيال الجديدة، لضمان استمرارها بوصفها جزءاً من التراث المحلي.
حضور تربوي ورسالة للأجيال
من جانب الزوار، شدد الموجه التربوي سمهر المصري على أهمية زيارة الطلبة والمعلمين للمعرض، لما له من دور في تعريف الجيل الجديد بتراث الأجداد، وتعزيز الارتباط بالهوية الثقافية المحلية.
وقال المصري: إن التراث المعروض يعكس “قيم المجتمع وأصالته وعاداته وتقاليده العربية النبيلة”، مؤكداً أهمية دمج هذه الأنشطة ضمن المسار التربوي والتعليمي لتعزيز الوعي الثقافي لدى الطلاب.
أسبوع تراثي لإحياء الذاكرة
كانت مديرية ثقافة حمص قد أطلقت فعاليات أسبوع التراث المادي في الفترة الممتدة من الـ 14 من نيسان وحتى الـ 20 منه، متضمنة معارض ومحاضرات وملتقيات فكرية، تهدف إلى تسليط الضوء على الموروث الثقافي في المحافظة وإعادة ربطه بالحاضر.
ويأتي معرض القصير ضمن هذه الفعاليات بوصفه مساحة لتوثيق الذاكرة المحلية وإعادة تقديمها في سياق ثقافي مفتوح، يربط بين الماضي والحاضر، ويعيد الاعتبار للتراث المادي كجزء من الهوية المجتمعية.