أكدت رئيس مركز التلاسيميا في حمص الدكتورة لينا مشيمش في تصريح لـ “العروبة” أن مرض التلاسيميا لا يُعد مجرد اضطراب وراثي يصيب الدم، بل يمثل أزمة صحية واجتماعية واقتصادية تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع والدولة، مشددة على أهمية التوعية المجتمعية والفحص الطبي قبل الزواج كخط الدفاع الأول للحد من انتشار المرض.
وأشارت إلى أن معاناة الأسرة تبدأ منذ لحظة تشخيص حالة الطفل، حيث يعيش الوالدان حالة من القلق المستمر على مستقبل أبنائهم، وقد يرافق ذلك شعور بالذنب عند اكتشاف أنهما حاملان للمرض دون علم مسبق.
وأضافت أن الأعباء النفسية تتزامن مع أعباء مالية كبيرة، إذ يحتاج المريض إلى نقل دم منتظم كل أسبوعين أو أربعة أسابيع طوال حياته، إلى جانب أدوية إخراج الحديد مرتفعة التكلفة والفحوصات الدورية والتنقل المستمر إلى المراكز المتخصصة، الأمر الذي قد يضطر أحد الوالدين إلى ترك العمل لمتابعة الحالة الصحية لطفله.
ولفتت إلى أن التلاسيميا يشكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على الدولة، حيث تضطر الجهات الصحية إلى توفير وحدات دم آمنة وإجراء فحوصات توافق معقدة، فضلاً عن تأمين الأدوية المستوردة والمتابعة المستمرة للمضاعفات الخطيرة مثل تلف الكبد وفشل القلب.
كما أوضحت أن زراعة نخاع العظم، والتي تُعد العلاج الشافي الوحيد للمرض، تبقى باهظة الكلفة وغير متاحة لجميع المرضى.
و أن استمرار المرض يؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية الوطنية نتيجة الوفاة المبكرة أو العجز المزمن لدى عدد من المصابين، ما يجعل تكلفة الوقاية أقل بكثير من تكلفة العلاج والرعاية طويلة الأمد.
وبيّنت أن مركز التلاسيميا يسجل حالياً 790 مريضاً، من بينهم 380 مريضاً ملتزمون بالمراجعة الدورية وتلقي العلاج بشكل منتظم، الأمر الذي يعكس الحاجة إلى تعزيز برامج المتابعة الصحية والتوعية بأهمية الالتزام العلاجي.
وأكدت أن الحد من انتشار المرض يرتكز على محورين أساسيين، يتمثلان في التوعية المجتمعية والفحص الطبي الإلزامي قبل الزواج.
وأشارت إلى أن حملات التوعية تهدف إلى نشر المعلومات الصحيحة في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول المرض، خاصة أن التلاسيميا مرض وراثي غير معدٍ، وقد يكون الشخص حاملاً له دون ظهور أي أعراض.
وأضافت أن الفحص الطبي قبل الزواج يمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية وقائية ناجحة، ويتضمن إجراء تحليل صورة دم كاملة وفحص رحلان الخضاب الكهربائي للتأكد مما إذا كان الخطيبان يحملان صفة المرض.
وأوضحت أنه في حال كان الطرفان حاملين للمرض، فإن احتمال إنجاب طفل مصاب يصل إلى 25 بالمئة مع كل حمل، ما يمنح الزوجين فرصة لاتخاذ قرار مستنير، سواء بعدم الإنجاب الطبيعي أو اللجوء إلى تقنيات المساعدة على الإنجاب والتشخيص الوراثي قبل الزرع.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن تجارب عدد من الدول أثبتت نجاح إلزامية الفحص قبل الزواج، بالتزامن مع حملات التوعية، في خفض الإصابات الجديدة بنسبة تتراوح بين 80 و90 بالمئة خلال عقد واحد فقط، معتبرة أن الاستثمار في برامج الفحص والتوعية ليس رفاهية، بل واجب وطني وإنساني يحقق جدوى صحية واقتصادية واجتماعية كبيرة.
العروبة :بشرى عنقة