مدرســـــة 6 تشــرين تحتفي بالتلميــذ سهيـل الطويـل لشفائه من «السرطان»

طفلٌ تروي تقاسيم وجهه المتعبة محطات من رحلته مع مرض السرطان الذي رافقه لسنين طويلة وكبر معه ونال من جسده الغضّ الصغير فسرق بسمة سهيل منذ زهرته الخامسة من العمر وسلب طفولته والاستقرار في عائلته التي هبت بالكامل لتخفف آلامه وأوجاعه.
أجرت عائلة سهيل عدة تحاليل له وعندما تم تشخيص المرض كانت الصدمة ثقيلة فوالدته السيدة سوسن بدأت بتحمل مشاقّ السفر من حمص إلى دمشق وبظروف صعبة وطرق خطرة حيث كانت الأحداث في ذروتها .
استقرت معه هناك لمدة ثلاثة أشهر بمقر جمعية بسمة لمعالجة سرطان الأطفال و خضع خلالها لجرعات كيميائية دون اطلاعه على مرضه حيث علم به عندما تمّ فقدان شعره بالكامل ولم يتقبل مظهره آنذاك ودخل بعزلة كبيرة وعندما عاد إلى المنزل فوجئ أخويه ماهر ويحيى بمظهره الجديد وقاما بقص شعرهم مثل سهيل لكي لا يشعر بأنه مختلف عنهما .
غاب عن المدرسة لكنه بقي قريبا من العلم لم يعش سهيل فرحة اليوم الأول من كل عام دراسي ولا حتّى فرحة استلام الجلاء المدرسي ذي الدرجات العالية فتلقى مناهجه الدراسية في المنزل والمستشفى وتحمّل عبء الذهاب إلى المدرسة أثناء تقديم الامتحانات فقط لأن والدته أصرّت على أن يكمل تحصيله العلمي إيماناً منها بشفائه وعدم تفويت أي سنة دراسية عليه , وهو الآن في الصف الخامس الابتدائي وحصل على مجموع قريب من العلامة التامة وتلقى التكريم أيضاً.
كرّست مدرسة 6 تشرين مفهوم التربية الحقيقي.
صادف عيد ميلاد سهيل في الخامس عشر من الشهر الجاري واليوم العالمي للسرطان في السابع عشر منه , فقام الكادر الإداري والتدريسي بهذه المدرسة والكائنة بحي المهاجرين بدمج المناسبتين معاً وتجهيز زينة بسيطة لصفّه وقالب حلوى و فاجؤوا سهيل ورفاقه لتضج مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الحدث وشاركهم بالاحتفال والدة سهيل وأخويه ماهر ويحيى , حدّثتنا المدرسة رشا محمد : أتى سهيل إلينا في بداية العام الدراسي وكان لدى والدته مخاوف من أن لايستطيع التأقلم مع أترابه في صفّه لأنه سيعيش هذا الأمر لأول مرة في حياته , ولكن الطفل بالفطرة لديه حبّ الآخر ومساعدته , فعرّفنا سهيل لرفاقه بشكل محبب وتم الاندماج معه بسرعة غير متوقعة وانتخبوه ليصبح عرّيفا للصفّ أيضاً , وهناك مشهد عظيم أثلج قلب أم سهيل فعندما أتى الطلاب وقلنا لهم أن هذا التحضير هو لعيد ميلاد سهيل تلقائياً وبدون أي توجيه منا وبشكل جماعي بدؤوا بالتصفيق والغناء له.
الأستاذ أيمن إدريس مدير المدرسة قال : رغم الأعداد الكبيرة في هذه المدرسة ولكن معاملة التلميذ كانسان وليس رقماً هو هدفنا الأساسي فنحاول قدر المستطاع الدخول إلى الحالة النفسية لكل طفل والعمل على تحسينها وتقوية شخصيته, وأعتقد أننا نجحنا بذلك فذوو التلاميذ يخبرونا بما يعيشه كل طفل من ظروف ويشركونا بالحلول .
التلميذان ماري السليمان وأسامة علي في صفّ سهيل حدثانا بلغتهما البسيطة : لم يخبرنا أحد أن سهيل كان مريضاً فتساءلنا عن غيابه المتكرر وأخبرنا هو بمرضه, وحزنا كثيرا لما حصل معه وبذات الوقت فرحنا لأن صديقنا قوي واستطاع الانتصار على أصعب مرض ونتمنى أن يشفي الله كل طفل .
السيدة سوسن مثال للأم القوية حدثتنا بكل قوة وصلابة رغم أن داخلها بركان مشتعل فليس من السهل أبداً رؤية فلذة كبدها يتألم وهي غير قادرة على فعل أي شيء يحدّ من هذا الألم أو ينهيه قالت: سهيل أصغر أولادي مرض بعمر صغير جداً و بسبب ضعف المناعة التي سببها مرض السرطان أُصيب سهيل بعدة أمراض أخرى أكثرها صعوبة وألماً هو زنّار النار في عينيه , لجأنا إلى جمعية بسمة لمرضى سرطان الأطفال في دمشق ولم تدخر أي جهد في علاج سهيل ولا العمل على تقوية حالته النفسية وأنا مدينة لها بكل الشكر والعرفان لها وأضافت السيدة سوسن: رغم أننا لم نعد نسافر إلى دمشق و الحمدلله شفي سهيل لكن في كل يوم أستيقظ عند الساعة الرابعة فجراً بشكل تلقائي وأستمع إلى صوت حافلة السفر إلى دمشق وهي تمر من أمام منزلي وأذكر تلك اللحظات الصعبة متوجهة بالنظر إلى سهيل والدعاء بحمايته وأخوته .
بكلامٌ كبير من طفل صغير قال سهيل لنا: كنت ألاحظ تغطيتهم للجرعة الكيماوية أثناء إعطائها لي كي لا أعرف وأنا أساسا لم أكن أعي خطورة هذا المرض ولكن عندما فقدتُ شعري بدأت بالبكاء الشديد وقال لي والدي آنذاك أنا قصصته لك وأنت نائم, بقيت وحدي ولم أعد أرغب بالنظر للمرآة فشعري غير موجود وعيناي منتفختان لا أستطيع النظر بهما إلا قليلا بسبب زنار النار , بيني وبين أمي أظهر حزني لما حصل لي ولكن أثناء تواجدي بنفس المكان والاحتكاك بأطفال مصابين بالسرطان لم أكن أظهر شيئا لأنهم أحزنوني كثيراً وكانوا متعبين أيضاً وعند عودتي من دمشق.
كان والدي يصحبني للحديقة ويحاول تسليتي وأخوي يهتمان بي .
وبالحديث عن الحفلة الذي نظمتها له مدرسته قال : هذا اليوم لايمكن أن أنساه طوال حياتي فأول مرة أحتفي بوجود هذا العدد من الأصدقاء و قدمت لي مدرستي هدية جميلة أيضاً وأضاف سهيل : حلمي أن أصبح في المستقبل طبيب أوعية دموية لعلّي أجد حلولا تخفف من ألم الأطفال المصابين بسرطان الدم فأنا كنت أتألم بشدّة ولسنين طويلة.

العروبة – أريج علي

المزيد...
آخر الأخبار