تحية الصباح .. لا امرأة بعدها…!!

عندما دخلت المقبرة ،كعادتي كل عدة أشهر،لأزور قبور أهلي وأقاربي،التقيته هناك ،عجوز في الخامسة والثمانين من عمره،يجلس بجانب أحد القبور ،يفتح يديه متضرعاً إلى الله أن يرحم من في القبور …!! بدا لي أن الدهر قد حفر أخاديد في وجهه ،وأن عينيه الغائرتين تلمعان ببقايا بريق لعله يخبو عاماً بعد آخر …!!بجانبه عكازه ..!!

بعد السلام والاطمئنان عنه ،…!!كنت مندهشاً أتساءل في نفسي :(ما الذي يأتي به إلى هنا)وهو يتثاقل في مشيته ،ويستند إلى عكازه …!!

ولعل العجوز أدرك ما يدور بذهني فقال دون أن أسأله :مشيراً إلى القبر (رفيقة عمري ،لا يمر يوم إلا وأذكرها ،أحضر بين حين وآخر لألقي السلام عليها ..تركتني قبل ثلاثين سنة ،رحمها الله …!!ثلاثون سنة كأنها ثلاثون يوماً…!!

يتابع كمن يبحث عمن يروي له قصته ،وأنا أصغي إليه :(أنجبنا سبعة أبناء وثلاث بنات …!!)

وكدت أسأله (كم من الرجال مثلك رمز للوفاء والإخلاص !!) وتابع حديثه ،بصوت أجش ، وكأنه مخنوق:بين حين وآخر يشتد بي الشوق ، وتهيج بي الذكرى ،وأتخيل أنها هي الأخرى ،في شوق لي ،فآتي لزيارتها …ياه ..السنون تمضي بسرعة أليس كذلك …!!

كان علي أن أجيب  فقلت (يبدو أنها كذلك…)

أعادني العجوز الوفي إلى سنوات خلت ،عندما انبعث عويل وصراخ في حارتنا ،وعندما تبين الأمر ،علمنا أن إحدى جاراتنا توفيت فجأةً. كانت في العقد الرابع من العمر …وزوجها بمثل عمرها تقريباً.. وهرعنا إلى منزل الجيران ..على عادة أهل الريف …فوجدنا زوج المتوفاة يلطم خدوده،ويمزق قميصه ولا أزال أذكر كلماته الباكية :كنا نحتسي المتة ..فجأة مالت وسقطت على الأرض …رحمها الله …كيف سأمضي العمر بدونها ..لا ..يجب أن أموت معها..!!).

وفي مثل هذه الحالة ،كان علينا نحن الحضور أن نهدأ من روعه، ونجعله يترحم عليها ويرضى بقضاء الله وقدره،فلله ما أعطى ولله ما أخذ .بعد ساعات قليلة ،في المقبرة ، كان علينا أن نبذل جهداً أنا وبعض الشبان لنمنع الزوج المفجوع من النزول في القبر مع زوجته ،لأن الحياة بعدها ،لا معنى لها ،إذ كيف يتركها تسافر في رحلتها الأبدية لوحدها !!.وبصعوبة سحبناه جانباً بينما تولى آخرون إنزال الجثمان إلى القبر …!!وبصعوبة اصطحبناه إلى منزله ليستقبل المعزّين …

وخلال أيام العزاء السبعة ،كان يردد أن لا امرأة مثلها …!!

وبعد أربعين يوماً بالتمام والكمال ،كان صاحبنا ،الزوج المفجوع ،يتأبط ذراع امرأته الجديدة ،وسط دهشة الناس ،الذين حاول بعضهم إقناعه يوم وفاة زوجته بأن (الميت لا يرافق )،ولعله يوماً ما يخلد إلى السكينة مع امرأة أخرى ،وهذا شرع الله ..لكنه كان ينتفض ويثور ويقول لا امرأة بعدها …!!)

ويقول بعض أصدقائه إنه يردد،بعد زيجته الجديدة (اليوم أعرف هناء العيش .. وقيمة المرأة ).

عيسى إسماعيل

المزيد...
آخر الأخبار