البركة..

شجون الزراعة وما تحكيه من هموم تشدك بتفاصيلها المتعبة والمفرحة.. هنا زرعنا وأنتجنا وهنا أخذ تعبنا تغير مناخ مابين موجة صقيع وموجة حرّ وسيول وجفاف وعزوف شبان عن الزراعة لعدم تناسب الناتج مع متطلبات الحياة الحالية إلى ما هنالك من أمور يطول الحديث عنها.. وسط ظروف أصبح الفلاح فيها لاحول له ولا قوة ..  

من زاوية أخرى بعيدة قريبة تدغدغ كلمة البركة ثنايا الروح .. البركة التي كانت تكسو كل شبر في أرضنا المعطاءة .. فهنا في مكان ما  ما زالت صورة جدي عالقة في مخيلتي بيديه المجبولتين بعرق وتراب لا لطلب الرزق فقط بل حباً وعشقاُ لكل ذرة تراب فيها ..

لم يكن جدي يستخدم السماد المصنع الذي غير كل مزاج التربة بل كان لديه سماد طبيعي فالحظيرة مليئة بالأبقار والماعز حيث كانت الطبيعة تغذي نفسها لهذا لم يكن رزقه مكلفاً ما عدا الجهد الجسدي الذي كان يبذله نتيجة نقل المحاصيل والحاجيات عبر المدرجات المبنية بسواعد الأجداد والجدات مثبتين بهذا قدرتهم على تطويع البيئة القاسية بطرق فنية حرفية حيث لا يمكن إلا وأن تسمع صدى ضحكاتهم المحفورة على حجارة الأرض الطيبة ..

جثا جدي مراراً بشكل يومي يداعب شتول البندورة الجبلية البعلية  الممتنة لقطرات الندى المعبقة بشذى السنديان والبلوط والبطم .

صحن” السلطة”المكون من بضع حبات من البندورة وبصلة وزيت وملح كان طبقاً أساسياً على الموائد التي كانت عامرة بالحب والقناعة والبساطة ..

هناك حيث كان جدي يقضي صباحاته يحمل سجادة صلاته إلى كروم العنب المتدلية أغصانها على صخور بأشكال وأحجام مختلفة تحكي قصصاً وحكايات أسطورية في عقل الجدة لكن الكرم كان أكرم من صاحبه يطعم المارة والعائلة والأصدقاء ويفيض ..

الآن صحن “السلطة “لم يعد متاحاً كما كان والكرم لم يعد يفيض..

كان أيضاً في الأيام الغابرة المناخ متقلباً  وكان الفقر متقعاً  وكان .. وكان..

ماذا حدث ..ماسر تغير الأحوال ..!!

بحثت عنه في تجارب الناس وأحاديثهم فتعددت الأسباب والتسميات .

لربما كان الحب النابع من ابتسامة جدي وحبه لأرضه وثقته بها وبما ستنتج فيأكل.. ويطعم.. يتعب بحب ويجني بحب ..

ربما هذه هي البركة التي فارقت بيوتنا منذ زمن ..

فهل ستعود يوما!؟؟

 نادين أحمد  

المزيد...
آخر الأخبار