تهمُّ نفوسنا بإطلاق آراء أو بعض أحكام مسبقة حيال أمر ما , يمر بنا شفاهاً في قول , أو تدوينا في تعبير سطور يدفعنا إلى ذلك وعي مشاركة ,أو تقارب تناص , أو حبّ فضول , أو محاولة توكيد ذات في مضمار الحياة , ضمن معطيات تتشاطرها نوازع , وميول و تجاذب حيثيات أفكار , فيكون لنا ذاك الحكم أو الرأي أو وجهة النظر , وفي الأحوال جميعها ,وعلى المستويات تدرج حال على حال يكون لنا الربح في ثراء ما اكتسبنا , ومطارحة ما تداخلنا به وحسبنا في ذلك الأمرين سعادة المعرفة وغنى الحوار والتواصل , وإعمال العقل عبر حفاوة التفكير , وتحفيز القدرات , واستحضار مهارات عدّة , يتقدمها التذكر , مهارة تكرار والحجة والمحاكمة مهارة استدلال ونباهة براهين , قوتها في مرجعيات مصادر ومراجع تؤصل توثيق في مثاقفة ما ترمي دلائنا في أمواه سيولة ما تحث الفطنة إليه ونحوه .
إن المؤكد كامن في حقيقة توكيد رأينا , أو أحكامنا فمن غنى معارف وسعة خبرات وتكاملية تجارب ذاتية وموضوعية ووفق نزاهة وحيادية في معيارية القول الفصل , حيال ما تهم نفوسنا النطق به , أو القول فيه , أو التعبير عنه . هذا كله لا يتأتى حذاقة درية , وفطنة درابة , ويراعة أداء , إلا إذا كان مسكوناً يصاحبه زادا ً معرفياً , واتساعاً في الفهم والاستيعاب , وطبيعة المسألة التي هي محط مناط القول فيها , ومستوى طبيعة مادتها المعرفية , ما بين ثقافة عامة أو ثقافة عالمة , وحال إسقاطات ذلك على المرء ذاته في مدى ولوجه في أبهاء تلك الأمكنة , ما بين موضوعات ذات عناوين عريضة, وأخرى نوعية تفصيلية متخصصة .
إن عرض أي موضوع , جماله لا يكمن في أنساقه المعرفية وغيرها فحسب , ولا في الأسئلة التي تدور في فلكه فحسب , بل بالأسئلة النوعية التي كنانتها حاضرة بوفرة من أسئلة مفاجئة تثري المادة المعروضة مداخلات وقيماً مضافة , ليعطي بعداً من أسئلة ذكية تجمع ما بين بذار محتوى المادة المعروضة , وسُقياها من رشاش إبداعي لنقاط معرفية تتكامل بها فاعلية المادة وتتسع مدارك النباهة ما بين تأمل وبين تفسير , وسعة تأملات أكان ذلك في سبق حوار , أم في تدوين رؤوس أقلام ليكون الجني المعرفي تفاعل الخاص بالعام والفرد بغيره ومآلآت الطريق من محتوى المادة بالتّليد من مخزون ذاكرة لقراءات وقراءات ونحن لا نعدم فكرة تتقلب على لسان متحدث أو تبوح بها كلمات إلا وقد قال فيها ألف قول على قول , ويزيد عبر مدارج النشاط البشري , وحيوية الذهن في مطارحات الأفكار , وغوايات الأسئلة وحدس التساؤلات . جميل , بل , ومفيد الاستحضار المسبق تعبيراً عن إلمامنا بأمر فيه , وعنه الحديث وجهد مقدّر , لكن الأجمل أن يقترن ببلاغة متخصصين , اشتغلوا على مطالع الأيام , ومدارج السنين , بل والعقود, والأعصر بحثاً وتمحيصاً , فكانت لهم تعاميمهم المعرفية قواعد قياسية , وأخرى اصطلاحية , ما بين لغة ومجاز , وفكر وبنى لمقولات فلسفية وأخرى تجريبية علمية تطبيقية , تترافد جميعها صقيل خبرات إنسانية , فضاؤها : إنسان إلى إنسان , وإنسان إلى حياة . وإذا كان هذا في الوقوف على عتبات نصوص وأبحاث ودراسات وهمهمات قول في جزئيات حوار أو نقاش أو قراءات ,فإن الأمر حاضر في أنماط السلوك وفق إطلاق أحكام وآراء ضمن استحضار مسبق بنعت حاضر من دون التبصّر وربما تأخذنا العجلة ويلين خاطرنا صوب المزاج , فقد نقع في انزياحات آرائنا على وهن في سداد رأي , ولربما لو تأملنا السلوك وما وراءه لخفّ الوطء ملامة والتثريب تقريعاً , والعتاب محبة , واتسعت رحابة الود صفاءَ إدراكٍ في مدارات تعقّل أمسكت بخيوط حياكة في غير مكانها لتأتي القراءة تأمل قراءة لصروف وظروف ومراعاة لفروق فردية وتفهم لمستويات خبرات معارف وتجارب , مؤونتها عفوية سنين درجت عليها أعمار من غير أن تصقلها مؤشرات أداء لافتة التجذر في معيارية محددات , هي فواصل لعبارات وشتها جُمُلٌ في مهاد تعثر كلمات .
إن الفهم اللّماح الناجز ما بين ثقافة عامة , وبين ثقافة عالمة في أداء سلوك والحكم عليه هي القول الفصل في معطى سواء سبيل تتسع له الفجاج خطا توقع إرادتها بناء ذات وشمولية عمران تحصّناً لوعي يسمو ولسلوك يرتقي ولذهنيّة تقرأ الوعي العام أنموذج مطالعات تنشد الأسمى في تعزيز الخاص تطلّعَ حضور يدهشه الفهم سعة غنى وتوقده حميّة النباهة شعلة ضياء تبصّره أفانين النبوغ قطوفاً دانيات على باسقات وارفات في واسعات حدائق من كنوز المعارف ودنيا العلوم … هذا الثراء الطافح بنسماته صوب محيا كل طموح تره يسري بتؤدة نحاكي لطفا , ورهافة كياسة وتأمل في حنايا استقراء , يؤكد استحواذ استنباط , فترى المرء يُسعد بنتاج في معرفة وأداء في سلوك . كما وتراه يروح عوالم من ارتباط وسعادة , وهو يفيء إلى ظلال خبرة في تمكين لمعارف , ومهارات , وألمعية لنباهة في إعمال تفكير ينبسط آفاقا , غمرا, لثنائية مهارة في حذاقة فهم حيال أي أمر .. تمر تمثّل إحكام في بنائيةٍ عضويةٍ – كانت- أم جدلية ففي كلتيهما يتأصل الفهم , ويكون الاستحضار مسبق مشروع استحضار , له صيرورة اجتهاد في نقش مرايا المعرفة زخارف من علوم وخبرات ومهارات وحسن أداء. ومن زمن قالوا : الإنسان يساوي معرفة.
نزار بدّور..