يمرّ بنا صوت الحقيقة عبر القلب معتمراً بالعقل , فلا مُدخل اتساع لتأويل خاطر , أو مُخرج تمادٍ لرأي أو وجهة نظر عندما تلامس الحقائق أشياء , هي ثوابت , يتقرّاها المرء أفقيا في معطى يقارب غنائية الذات , أو في جانب آخر دائري التماهي في موضوعية بنى من تفاعل متداخل الرؤى والمفهومات والآراء والتصورات عبر منظومة لنظم حياة , مادام الوعي الجمعي مصطلحا عليها طمأنينة قناعات , فترانا نركن إليها دوام حال . وما الزمن إلا هذا الشلال الدافق أحادي الاتجاه ينحت مجراه في ثواني اللحظات , فيأخذ ما درج عليه , فإذ الآن وقد خفيت ملامحه يستحيل ذكرى , والأبد سيرورة مجرى , وهيهات أن يلتفت مدى , وقد أعياه وقع حال في مدارات كل سعة ! إنه الزمن حيال الأمس ما انصرم من سنين غارت في أتون الماضي , كم يبدو يوم أمس ! و قد أومض برق الراحلات أعواماً بضع أصورة ونحن ننظر في راحات أيدينا . ليغدو الحال صفقة كف بعد طول رقاد ومنطق الثوابت في محكات العقل تقويم صدق , وتقييم قيمة ,لكن الزمن فساحة الحقول في كل غرس , ومتسع كل بذار , وتشييد كل صرح , و إنجاز كل فعل في مداميك عمران , وتساوق كل تحضّر وحضارة , ليصير الزمن عيانا أنفاس حياة لها كل مدى . و إذا ما كان الزمن نتاج تعاقب أزمنة , فثمة نفحات دنياها مابين الأمس ملاعب طفولة , وميعة الصبا , ويفاعة الشباب , واكتناز السنين حقولاً في حثّ الخطا , والضرب في الأرض دروباً , وحال الحال بين حقول في كدّ , وبيادر في جني , وقدة الحرف اتقاد كل جذوة في إشراقات كل علم , وميدان كل حذاقة أو فهم , ومابين هذا وذاك يروح العمر انشغالا وتشاغلا , وإذا باللمّة السوداء يداخلها المشيب صوى على مرتسمات الأعمار في مواقد السنين أعماراً ليتلقّفها وقار رماد في مواقد اختمرت عليها تجارب المتاعب لتكون سعادة كل مؤونة , فرح كل زاد عمره عمر كل إبداع ونتاج نتاجات يتجاوز الاستهلاك , بُعداً إجرائياً , لأنه في حيثيات كل اجتهاد و أداء نوعيين بهما كانت شرفات لقيم مضافة من مضامين في فِكر وأفكار , وسرديات من غنى معارف وآراء وسعة في قراءات , مدارجها فيض علوم , وتنوّع حقول .. فما كان الزمن معطى شيء في نباهة قراءة عابرة , أنه (( الوقت)) فحسب بل هو انشغال المثابرة في فطنة الدّراية استثمار الزمن أزمنة . ومراعاة الميول سماتٍ ليصبح الزمن كل قطاف لارتباطه بكل جهد وقيمة ونتاج و إنتاج في براعة التمييز ومرجعيته ربحا ما كان ويكون في كل ابتكار وإبداع رهناً بأصالة توثيق مع التاريخ جهد أفراد , وكينونة جهود. وكثيراً ما توقّف المبدعون في علوم الفلسفة والنفس وغيرهم عند الزمن , وكذلك الشعراء والنقّاد في قراءاتهم لدلالات المقدمات الطلليّة ليجدوها محطات تفجّع لتحديات حاضر يقفون فيه , وقد أقضّ التحسّر ذواتهم أمام ماض تولى فإذا هم أمام واقع موضوعي يحاولون برغائب الخيال سبقا لزمن رياضي ببلسم آهات ندوب اخترمها الزمن بهم تعاقب أزمنة , فالمقدمات مقصودة لذاتها , لا وسيلة كونها وعي التساؤل الفلسفي الحاد فجائعيا لآلام مخاض , وإدراك آخر أن الحياة حصيد الموات هجراً وصدّاً , والممات واقعاً في مسار الحتمية مابين الوجود والعدم . إنها ثوابت لا تنفع معها أساليب الإنشاء أمراً إلى نصيحة وإرشاد .
إنه الزمن سعادة الحضور ضمن رسالة الحياة , وفرح المعنى في كينونة كل تفرّد في أداء , وثمة عودة إلى حقائق الثوابت في مكين دلالاته بالمعنى المعرفي الفلسفي, أما أحلامنا فخدعة لولاها ما طاب العيش لنا – يا للزمان ! قد أخفى مسالكه إن سار وراء السمع والبصر – يمشي الهوينى,فما تدري مراصدنا أواقف هو , أم ماشٍ على حذر ؟! – والعمر تمضي ثوانيه مسافرة بلا رجوع , وكلّ اللغز في السفر.
نزار بدّور