محمد قربيش
ما إن يتم الإعلان عن مسابقة توظيف لدى إحدى الجهات العامة حتى يتهافت آلاف الشباب من مختلف الشهادات للتقدم إليها أملاً في الحصول على فرصة عمل «وظيفة» ،انتظروها طويلاً ،علماً أن العديد منهم يعرفون تمام المعرفة أن فرصهم تكاد تكون معدومة لأن المطلوب للتعيين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة بينما المتقدمون بالمئات ،في حين أن القطاع الخاص عندما يعلن عن فرص العمل تكون أعداد المتقدمين محدودة ،والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا لماذا يفضل الشباب والخريجون العمل في القطاع العام رغم أن رواتب القطاع الخاص قد تكون أعلى ؟! الجواب بكل بساطة أن القطاع العام رغم أن رواتبه أصبحت لا تكفي إلا الأيام الأولى من الشهر لكنه يوفر الأمان والاستقرار والراحة النفسية لما يحتويه من مجموعة امتيازات ومكتسبات ومنها الراتب التقاعدي للموظف الذي ينهي خدمته ويكون أحد أبواب المساعدة عند كبر سنه وسنداً لأولاده وخصوصاً أن طاقته وقدرته على العمل تكون قد تراجعت ،إضافة إلى تسجيله في التأمينات الاجتماعية وضمان عدم تسريحه أو طرده من العمل والضمان الصحي والترفيعات الدورية وتحديد ساعات العمل ووجود تشريعات تحمي العامل وتنظم العلاقة بينه وبين الإدارة إضافة لوجود حوافز أخرى كاللباس المجاني والوجبة الغذائية وغيرها تجعل العمل في القطاع العام أكثر ضماناً وأماناً في المستقبل ،وقد يكون هذا التفضيل والانتظار للعمل في القطاع العام أحد أسباب ارتفاع نسبة البطالة ،بينما في القطاع الخاص وللأسف لا تتوفر العديد من المزايا التي ذكرناها آنفاً وأهمها تهرب الكثير من أرباب العمل من تسجيل عمالهم في التأمينات الاجتماعية وإرغامهم عند بدء العمل التوقيع على استقالتهم وبهذا الشكل يتحكم رب العمل بمصير العامل ويمكن طرده بأية لحظة دون أية ضمانات بغض النظر عن سنوات خدمته كما أن الضمان الصحي غير متوفر فإذا أصيب العامل أو تغيب عن عمله لأسباب طارئة يكون مصيره الشارع ،فلو كان القطاع الخاص يقدم نفس الضمانات المقدمة في القطاع العام لكانت الحالة معاكسة …..
ما نود الإشارة إليه أن حديثي التخرج دائماً يبدؤون حياتهم بالعمل في القطاع العام لأنه لا يشترط الخبرات كما أن الحكومة ملزمة بتعيين خريجي الهندسة واختصاصات أخرى والملاحظ أنه بعد اكتساب الخبرات وإتباع الدورات المهنية والتأهيلية التي تنفق الجهة العامة عليها الكثير من الأموال يتوجه الموظف للعمل في القطاع الخاص ويصبح أكثر التزاماً وتفانياً بالعمل ؟!
كما أن العامل من تعيينه في الجهة العامة وبعد مرور فترة زمنية يبدأ «بالنق» ومحاولة الهروب من الدوام والتملص من العمل بحجة أنه يعمل في مكان آخر كون الراتب لا يكفيه معتبراً أن الوظيفة تحصيل حاصل والعمل الخاص هو الأساس وهذا أحد أسباب الترهل الذي بدأنا نشهده في قطاعنا العام .
لا يمكننا بأي حال من الأحوال إنكار أن القطاع الخاص له دور مهم وفاعل في دفع عجلة الاقتصاد قدماً إلى الأمام وتخفيض نسب البطالة وزيادة معدل النمو الاقتصادي ولتحقيق هذا الهدف والقيام بهذا الدور خاصة في ظل الظروف الحالية وفي مرحلة إعادة الاعمار يجب العمل على تطبيق التشريعات التي تضمن حقوق العمال في القطاع الخاص واستقرارهم وتجاوز عقدة الاستغناء عنهم من قبل رب العمل في أية لحظة والأهم إلزام أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة بتسجيل عمالهم في التأمينات الاجتماعية بشكل فعلي وعدم اللجوء إلى تهريبهم أثناء جولات مفتشي التأمينات وأعتقد أننا عندما نردم الفجوة ما بين القطاع العام والخاص من حيث المزايا والضمانات في كليهما فإن فرص العمل ستكون أكبر ونسبة البطالة أقل لأن العامل ينشد دائماً الأمان والاستقرار في حياته الوظيفية.
فهل ستشهد الفترة القادمة تقديم القطاع الخاص حوافز ومزايا تدفع الشباب للالتحاق بالعمل به ؟نأمل ذلك !!