حضور الفلسفة في تراثنا الشعريّ محاضرة في رابطة الخريجين الجامعيين مسوح : ارتقاء المتنبّي بالحكمة الشعريّة إلى مستوى الفلسفة لا يجعله فيلسوفاً
بدعوة من رابطة الخريجين الجامعيين قدم الباحث عطية مسوح محاضرة بعنوان حضور الفلسفة في تراثنا الشعريّ / المتنبّي أنموذجاً بحضور جمهور من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي وذلك في مقر الرابطة وقد أوضح الباحث مسوح في بداية محاضرته أن الأدب لم يكن بعيداً عن الفلسفة أو منقطعاً عنها في وقت من الأوقات. ففي الثقافات الهنديّة واليونانيّة القديمة كان الفلاسفة يمدّون باعهم إلى الأدب منظّرين ومقوّمين, كما كانت الفلسفة تتغلغل في ثنايا العمل الأدبيّ, وتتجلّى بقدر ما يتمتّع به الأديب من ثقافة فلسفيّة أو خبرة حياتيّة, فيأتي أدبه محمّلاً بمقولات فلسفيّة أو معبّراً عن موقف فلسفيّ كونيّ. ولعلّ المثالَ الأهمّ في الفلسفة القديمة لدخول الفلاسفة مجال التنظير الأدبيّ كتابُ (الشعر) لأرسطو. (في الثقافة الهنديّة القديمة نجد مثالاً لوحدة الأدب والفلسفة في كتاب مالاينجا فاتسيايانا الشهير: الكاماسوترا / وهو كتاب في فنّ الحبّ). وأضاف :إذا كان اقتحام الفلسفة عالم الأدب ناتجاً عن طبيعتها الشموليّة, فإنّ استقدام الفلسفة إلى الأدب ناتج عن كون الأدب تعبيراً عن رؤيا لدى الأديب لا عن إحساس طارئ فقط. والأديب المبدع هو من يرتفع إحساسه إلى مستوى رؤياه, ويرتفع تعبيره إلى مستوى إحساسه. ورأى أن الفيلسوف الحقيقيّ لا يرى في الكون, طبيعة ومجتمعاً, ما هو خارج إطار فلسفته. لذا نكاد لا نجد فيلسوفاً لم يتناول موضوع الفن, ولم تكن له نظرة أو نظريّة فيما يُعرَف بعلم الجمال. ومن أبرز أمثلة ذلك في الفلسفة الحديثة هيغل وماركس ونيتشه وسارتر وغيرهم, وحين نذكر سارتر نكون قد ذكرنا مثالاً لشيء آخر, هو اندماج الفيلسوف والأديب في شخص واحد.
اهتمام الأدب بالحياة اليوميّة والقضايا الواقعيّة لا يجعله بعيداً عن الفلسفة بوصفها تهتم بالقضايا الكونيّة الكبرى, لأنّ الأدب يتناول القضايا الكونيّة من خلال معالجة مسائل حياتيّة محدّدة ومشخّصة, ولأنّه, بطبيعته, لا يصل إلى العام إلاّ من خلال الخاص, ولا يبلغ العالميّة إلاّ انطلاقاً من المحلّيّة. ولقد أكّدت ذلك الأعمال الأدبيّة العربيّة التي حقّقت حضوراً عالميّاً, مثل بعض أعمال توفيق الحكيم وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ وحنا مينة وسعدالله ونّوس وسواهم..
وأشار إلى تفاوت درجات الحضور الفلسفيّ في الأدب, وتراثنا الأدبيّ العربيّ يُبيّن هذا التفاوت بوضوح, فثمّة أدب فلسفيّ صريح, كالأثر الخالد (حيّ بن يقظان) لابن طفيل, وثمّة أدبٌ يحمل موقفاً فلسفيّاً من المجتمع الإنسانيّ والحياة بعامّة, كبعض الشعر الصوفيّ, وثمّة أدب يتناول سبل إدارة المجتمع والسلوك الإنسانيّ, كأدب ابن المقفّع.. إلخ. ولعلّ أبسط صور هذا الحضور هو ما عُرِفَ بشعر الحكمة.
وقال : نعُدّ شعر الحكمة أبسط تلك الصور, لأنّه ينطلق غالباً من تجارب حياتيّة لا من معرفة فلسفيّة, ولأنّه يتّصل بجانب محدود من جوانب الحياة الإنسانيّة لا من رؤية فلسفيّة شاملة. ودليلنا على ذلك وجود الحِكَم بصياغة شعريّة رفيعة المستوى عند شعراء لم يُعرف عنهم أنّهم كانوا على صلة بالفلسفة, كزهير وطَرَفة .
ورأى أن أوّل شاعر عربيّ تخطّى شعر الحكمة إلى الفلسفة هو أبو الطيّب المتنبّي. الذي شقّ الطريق لمن تفلسف بعده من الشعراء, وأهمّهم أبو العلاء المعرّي.وكان المتنبّي شاعراً متمرّداً, و تمرّده شاملاً, تجلّى بالخروج على الكثير من الأعراف الشعريّة, والتمرّدِ على بعض القواعد اللغويّة المتحجّرة إذا اقتضى ذلك عمقُ المعنى أو الجمالُ الفنّيّ. واستجرّ عليه هذا التمرّد نقدَ المتشدّدين من النقّاد الذين عاصروه أو أتوا بعده.
ولا يظنّ الباحث ان المتنبي خالف القواعد عن جهلٍ, بل إنّه كان يُدرِك ما يفعل, فهو لا ينظر نظرة تقديسيّة إلى هذه القواعد ولا سيّما غير المنطقيّة منها, ويعدّ نفسَه وأمثالَه من المبدعين الكبار أكثرَ معرفة ومنطقاً من أهل البادية الذين استنتج النُحاة قواعد اللغة من أقوالهم. وأعدّ هذا تعبيراً عن موقف فلسفيّ من اللغة, انطلاقاً من وظيفتها أوّلاً, ومن كونها كائناً حيّاً يتطوّر وينمو وتتنوّع أشكال عمله واستخدام قدراته. ليست اللغة عند المتنبّي معطى جامداً ثابتاً, وليس واضعو قواعد اللغة الأوائل أو مستنبطوها من أقوال أهل البادية, بأكثر منطقاً أو معرفة من أجيال المثقّفين التي جاءت بعدهم, وبالتالي, فإنّ الموقف من اللغة انطلاقاً من وظيفتها التواصليّة والتداوليّة ينبغي أن يكون مرناً, وكلّما كانت مواقف اللغويّين والكتّاب والشعراء من اللغة أكثر مرونة كانت اللغة أكثر قدرة على النموّ والاغتناء والقدرة على حمل أفكار الناس ومشاعرهم.
ومن أهمّ مظاهر خروج المتنبّي على المألوف مخالفته لما كان يُعرفُ – نقديّاً – بموافقة مقتضى الحال, فقد عاب عليه الثعالبيّ مثلاً افتتاح قصيدته بما لا يليق قوله في مدح ملك, وعدّه نقيصة سمّاها (قبح المطالع) و مأثرة المتنبي العظمى, كما يرى مسوح هي تخطّيه شعرَ الحكمة إلى الفلسفة. وكان هذا التخطّي موضعَ نقد الكثير من النقّاد أيضاً, لأنّه خروج على المألوف, ونهج جديد في الشعر العربيّ. لقد عابوا على هذا الشاعر الكبير إنّه «خرج من طريق الشعر إلى طريق الفلسفة» على حدّ تعبير الثعالبي ، وشعرنا يزخر بمثل هذه الاستخلاصات الحكميّة التي تتدرّج بين السذاجة والعمق, ويحفظها كثير من الناس ويردّدونها, ويستخدمونها في حواراتهم. أمّا الفلسفة – كما ظهرت في الشعر أيضاً – فهي رفع الفكرة المستخلصة من التجربة أو من الثقافة إلى مستوى شمولي كونيّ, أو بشريّ عام, بتكثيف لغويّ هو صفة مشتركة بين الفلسفة والشعر. والفرق بين الحكمة في الشعر والفلسفةِ فيه ليس فرقاً كمّيّاً بل نوعيّاً.
وأنه كان متأثّراً بالفلسفة المثاليّة الأفلاطونيّة وتفرّعاتها, لا يعني أنّه كان أفلاطونيّاً مئة بالمئة. ففي شعره أبيات تدلّ على أثر اتجاهات فلسفيّة أخرى, منها ما يقترب من المادّيّة القائلة بالوجود الموضوعيّ للمادة بغضّ النظر عن إدراك الإنسان.
وفي النظرة الفلسفيّة إلى الإنسان فإن المتنبّي كان منحازاً إلى النظريّة التي تقول إنّ الإنسان شرّير بطبعه, وهي إحدى ثلاث نظريّات في هذه المسألة. فثمّة من يرى الإنسان خيّراً بالفطرة, ولكنّ قسوة الظروف هي التي تُجعله يخالف فطرته ويفعل شراَ ابتغاءَ تحقيق حاجة ضروريّة, وثمّة من يعتقد بأنّ الإنسان يولد صفحة بيضاء, ثمّ يكتسب من العلاقات الاجتماعيّة صفات الخير أو الشرّ أو كليهما, أمّا المتنبّي فيؤكّد شعراً أنّ الإنسان شرّير, لذلك نراه ينظر إلى الناس نِظرة نقمة ، والمتنبّي المثل الساطع لتوغّل الشاعر في أعماق النفس الإنسانيّة لذلك. فكثيرةٌ في ديوانه الأبيات التي يُقارب فيها علم النفس .
عبد الحكيم مرزوق