يشكّل ارتفاع أسعار الأدوية في محافظة حمص عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطنين، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة وتراجع القدرة الشرائية، بينما يرى بعض الصيادلة أن الأسعار في السوق المحلي أقل مقارنة بدول الجوار.
وفي لقاءات أجرتها “العروبة” مع مواطنين وصيادلة ومسؤولين، ظهر تفاوت واضح في وجهات النظر حول هذا الموضوع وتأثيره على صحة المرضى واقتناء الدواء.
آراء المواطنين: الأسعار أعلى من الدخل
يرى العديد من المواطنين أن أسعار الأدوية تفوق القدرة الشرائية، ولا تتماشى مع دخل الأسرة، ما يدفع البعض إلى الاكتفاء بشراء جزء من العلاج أو تأجيله
المواطن م.ش قال إن أسعار بعض الأدوية ارتفعت بشكل ملحوظ، خصوصاً بعد قرار وزارة الصحة في 2024 برفع سعر الأدوية بنسبة 100%، مع بقاء أسعار أنواع أخرى قريبة من المقبول، مشيراً إلى أن الأدوية لم تعد تتناسب مع دخل المواطن، وأن البعض يضطر لشراء جزء من العلاج لعدم قدرته على شراء كامل الوصفة الطبية.
السيدة ر.ع المتقاعدة، أوضحت أن سعر علبة دواء الضغط ارتفع من 2,500 ليرة سورية إلى 25,000 ليرة، مع قلة توفرها في كثير من الأحيان، مما شكل عبئاً مادياً كبيراً عليها، خاصة وأنها تحتاج إلى أكثر من عبوة شهرياً.
من جهته، اعتبر المواطن م.أ أن أسعار الأدوية كانت مناسبة في السابق، بينما أصبح تأمين أدوية الرشح والإنفلونزا عبئاً على ذوي الدخل المحدود، وقالت م. إدريس، التي خضعت لعملية استئصال الغدة الدرقية، إن سعر علبة الألتروكسين أصبح 36,000 ليرة سورية، وهو سعر معقول عند مقارنته بدول أخرى، لكنه عبء لأنها تحتاجه مدى الحياة.
آراء الصيادلة: الأسعار ليست مرتفعة نسبياً
بدورهم، عبّر عدد من الصيادلة عن أن أسعار الأدوية في سوريا ليست مرتفعة مقارنة بدول الجوار، مع الإشارة إلى معوقات أخرى تواجه المهنة:
الصيدلانية رهف.ش أوضحت أن المواطن يدفع مبالغ طائلة في الخدمات الطبية، وعند وصوله إلى الصيدلية يُثار موضوع سعر الدواء، وكأن الصيدلي هو من يحدد السعر، بينما الصيدلي يتحمل ضريبة مالية وعبئاً مالياً كبيراً، وهنالك تحديات أخرى مثل قلة فرص العمل للخريجين ما يدفع البعض للعمل كمندوبين لشركات الأدوية.
وأشار صيدلاني آخر إلى أن عدد الصيادلة العاطلين عن العمل وفق إحصائية لنقابة الصيادلة يبلغ 8000 صيدلاني، وأن أسعار الأدوية في سوريا تُعد من الأقل مقارنة بدول الجوار.
الصيدلانية ميساء.ف ذكرت أن أسعار الأدوية مقارنة بأسعار السلع الأخرى — مثل الخضار والفواكه — ليست مرتفعة، فبينما يتجاوز سعر كيلو البندورة 10,000 ليرة سورية، تبقى أسعار بعض الأدوية مثل البروفين وبعض أدوية الضغط دون 10,000 ليرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدواء يُستهلك على مدار فترة أطول.
وأضافت أن هامش الربح للصيادلة قليل، وأن هنالك أعباء تتحملها الصيدليات مثل المرتجعات الدوائية (الأصناف غير المطلوبة)، وقد يُجبر الصيدلاني أحياناً على تحميل صيدليته ببضائع غير مطلوبة.
ورأت الصيدلانية لينا الوعري أن أسعار الأدوية لم ترتفع أضعافاً كما حدث مع السلع الاستهلاكية الأخرى، مشيرة إلى أن بعض الأصناف مثل المتممات الغذائية أو أدوية الأمراض الخطيرة قد تكون أسعارها مرتفعة، بينما بقيت أنواع أخرى معقولة.
المعالجة الرقابية والشكاوى
من جانب آخر، أوضحت الدكتورة فرقد عودة، رئيسة دائرة الرقابة الدوائية في مديرية صحة حمص، أن عدد معامل الأدوية في المحافظة يبلغ سبعة معامل تنتج أنواعاً مختلفة من الأدوية، وأن الدائرة لا تتدخل في تحديد الأسعار.
وأوضحت أن دورها يشمل إجراء جولات رقابية على المعامل لضمان قواعد التصنيع الجيد، واتخاذ الإجراءات القانونية عند وجود مخالفات، ومراقبة المستودعات والصيدليات للتحقق من وجود الصيدلي، وعدم تداول أدوية منتهية الصلاحية أو غير مرخّصة، وتوثيق الأدوية النفسية في سجلات خاصة.
كذلك متابعة الشكاوى المقدّمة من المواطنين المتعلقة بالأدوية وأسعارها، وإعداد تقارير شهرية تُرسل إلى وزارة الصحة، ومتابعة استمارات اليقظة الدوائية (الإبلاغ عن الآثار الجانبية للأدوية) وإبلاغ الوزارة للتعامل معها.
آلية تسعير الأدوية
وأشار الدكتور عبد القادر الغنطاوي، رئيس فرع نقابة الصيادلة بحمص، إلى أن تسعير الأدوية يتم عبر لجنة مشتركة بين وزارة الصحة والنقابة المركزية، وأن هناك جهوداً لتخفيض أسعار بعض الأصناف لتصبح أكثر ملاءمة للدخل.
ولفت إلى أن فرع النقابة في حمص لا يحدد الأسعار، وأن بإمكان أي مواطن تقديم شكوى سرّية إذا شعر بزيادة غير مبرّرة في سعر دواء معين أو بيع دواء منتهي الصلاحية، ليتم التعامل معها قانونياً، مع التأكيد على أن سعر الدواء يجب أن يكون موحداً في جميع الصيدليات.
وتبرز قضية أسعار الأدوية في حمص كواحدة من أهم القضايا الصحية والاجتماعية، لما لها من ارتباط مباشر بحياة المواطنين وصحتهم. وبينما يرى المواطنون أن الأسعار تجاوزت الدخل وقدّمت عبئاً مالياً كبيراً، يؤكد الصيادلة أن الأسعار مقارنة بدول الجوار هي أقل نسبيًا، وأن هناك تحديات أخرى تؤثر على المهنة.
ويبقى الأمل في الوصول إلى توافقية بين دخل المواطن وأسعار الأدوية، كي لا يشكّل شراء دواء أساسي عبئاً مادياً إضافياً على الأسرة في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأخرى.
العروبة – سهيلة اسماعيل
