قمر الجاسم.. شاعرة “العاطلين عن الأمل”التي نسجت من الألم قصيدة

حملت الشاعرة والإعلامية قمر الجاسم وجع الواقع السوري إلى منابر الشعر، فحوّلته إلى نصوص نابضة بالسخرية والتمرّد، ونسجت من الألم مشروعاً إبداعياً أثمر اثني عشر كتاباً ومسيرة حافلة بالتحديات.

في هذا اللقاء مع جريدة العروبة، تكشف الجاسم محطات من تجربتها التي بدأت بترك دراسة الاقتصاد لتتبع شغف الكلمة، وصولاً إلى ترسيخ اسمها في المشهد الأدبي السوري.

رحلة الإصرار: من حمص إلى منابر الشعر

انطلقت الجاسم من مدينة حمص التي نشأت فيها، وتعود أصولها إلى دير الزور، وهو مزيج ثقافي انعكس بوضوح على تجربتها. تصف حمص بأنها “شاعرة بشوارعها وأرصفتها ومقاهيها”،وهناك اعتلت المنابر أمام كبار أدبائها مثل مظهر الحجي وغسان لافي طعمة، ما وضعها مبكراً أمام مسؤوليةَ تقديم نصوص متقنة خالية من الأخطاء.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، إذ واجهت واقعاً قاسياً وأحلاماً مؤجلة، لكنها بثّت تعب الرحلة في قصائدها، مستندة إلى بيئة أدبية غنية صقلت موهبتها ومنحتها أساساً متيناً انطلقت منه نحو فضاءات أوسع.

ديوان «للعاطلين عن الأمل»: صرخة في وجه الصمت

يشكل ديوان”للعاطلين عن الأمل”محطة مفصلية في مسيرتها، إذ لم يكن مجرد مجموعة شعرية، بل بياناً احتجاجياً ضد الاستسلام. استخدمت فيه السخرية أداة فنية لتعرية الواقع، وأعلنت رمزياً تأسيس “نقابة للعاطلين عن الأمل» كُتب على غلافها: “تأسست قبل الموت بدمعة».

يتناول الديوان معاناة المبدعين الباحثين عن منبر يحتضن أعمالهم، وينتقد الفساد الاجتماعي المتمثل في مسابقات التوظيف الشكلية القائمة على الوساطة، كما يرصد خيبات الشباب الجالسين في “مقاهي البكاء”وأحلامهم المسروقة وتاريخهم الضائع. ويختتم برؤية مستقبلية تتساءل بمرارة عن الهوية والانتماء، مجسداً القهر الذي يعيشه الإنسان في أرضه.

مسيرة التكريم: من التهميش إلى الاعتراف

بدأت الجاسم حضورها في الجوائز بفوزها بجائزة “المزرعة”عام 2004، حتى لُقبت بـ”خريجة المسابقات”، إذ شكّلت المشاركات وسيلتها لإثبات وجودها في مواجهة التهميش. تعترف بأنها شعرت طويلاً بأنها على هامش الحياة الثقافية في بلدها، خاصة عند مقارنة واقعها بتكريم المبدعات في أوطانهن.

نقطة التحول جاءت مع دعوتها إلى معرض دمشق الدولي للكتاب، فبعد مشاركات عربية عدة، شعرت للمرة الأولى بأنها تنال التكريم الذي تستحقه في وطنها، في تتويج لمسيرة طويلة امتزج فيها الإنجاز بالألم.

تطور الأسلوب وجماليات النص

تدرّجت تجربتها من ديوان “وريقات مبعثرة”الصادر عام 2002 إلى “ديمقشعرية”عام 2014، في مسار يظهر تطوراً واضحاً في الرؤية واللغة.

ترى الجاسم أن جوهر النص وفكرته هما أساس الجمال، فيما تأتي الموسيقى عنصراً يمنح القصيدة رونقها الخاص، مؤكدة أن “الشعر بلا موسيقى يصبح نثراً، وحتى النثر يحتاج إلى موسيقى داخلية”.

 

رسالة الشاعر: نذرٌ للمضطهدين وواجبٌ أمام التاريخ

تؤمن الجاسم بأن الشاعر لا يردد ما يقوله الناس، بل يكتب “ما يحدث لا ما حدث”،بلغة خاصة ورؤية مستقلة. هذا الإيمان دفعها إلى نذر كتاباتها للمضطهدين في كل مكان، في مقطع تُرجم إلى لغات عدة تقول فيه:

لن أقرأ شعري إلا للمضطهدين

نذرتُ كتاباتي للمحرومينَ المنكوبينَ المقتولين، المُغتَصَبينَ، المشنوقينَ، المسجونينَ، المنفيينَ، المقهورين…ال…

أقسمتُ… وإذ بي… صوتُ العربِ النابض.

بهذه الرؤية، تكرّس قمر الجاسم حضورها كشاعرة تكتب لحظة الألم الراهنة، وتحمل على عاتقها مسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعها وتاريخها، مؤكدة أن الإبداع السوري قادر على أن يزهر حتى من قلب المعاناة.

العروبة ـ سلوى الديب

المزيد...
آخر الأخبار