شكّلت سنوات العمل السياسي الطويلة وما رافقها من اعتقال وملاحقة وحصار مادة أساسية في تجربة الأديب عبد الحفيظ الحافظ، التي انعكست في روايته التوثيقية “الربيع المحاصر: أوراق من داخل العاصفة”، حيث يسجل من خلالها جانباً من التحولات القاسية التي عاشها السوريون، ويحاول عبر الكتابة حفظ الذاكرة من الضياع.
في هذا اللقاء مع “العروبة”، يفتح الحافظ صفحات من سيرته السياسية والأدبية، متوقفاً عند سنوات العمل السري، وتجربة الحصار في حي الوعر بمدينة حمص، ورؤيته لما آلت إليه سوريا بعد عقود طويلة من الاستبداد، إضافة إلى نظرته لدور الأدب في توثيق ما جرى ونقله إلى الأجيال القادمة.
خاض الحافظ تجربة سياسية طويلة امتدت لعقود، عارض خلالها أنظمة الحكم المتعاقبة، وقضى أكثر من نصف قرن في العمل السري بصفته أميناً لحزب العمال الثوري في مواجهة نظامَي الأسد الأب والابن.
ومن قلب هذه التجربة، وما حملته من معاناة وملاحقة وحصار، وُلد “الربيع المحاصر” بوصفه نصاً توثيقياً يستند إلى المعايشة المباشرة والذاكرة الحية، ويوثق مرحلة شديدة القسوة من تاريخ السوريين، ولا سيما خلال سنوات الحصار في حي الوعر بمدينة حمص.
يرى الحافظ أن العودة إلى الماضي، على ما تحمله من ألم، تبقى ضرورة لفهم الحاضر، لأن ما عاشه السوريون لا يمكن فصله عن واقعهم اليوم.
ويشير إلى أن الكتابة في هذه المرحلة العمرية ليست ترفاً، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية، ومحاولة لإنقاذ ذاكرة وطن مزقته الحرب، وشكل من أشكال مقاومة النسيان، واعتراف بضعف الإنسان أمام عنف التاريخ.
تحضر الذاكرة في أعمال الحافظ بوصفها محوراً رئيسياً، ولا سيما في “الحصار” و”الربيع المحاصر”، إذ ينظر إليها باعتبارها الملاذ الأخير للإنسان عندما يفقد المكان والاستقرار والأمان. ويرى أن الأدب، رغم ضعفه الظاهري أمام السلاح، يمتلك قدرة البقاء، وأن الكتب ستنقل إلى الأجيال القادمة حقيقة ما جرى بعد أن تنتهي الحروب وتتبدل الأزمنة.
لا تبدو حمص في حديثه مجرد مدينة، بل طبقات من الذكريات المتراكمة التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي كتاباته، لذلك يؤكد أن ما يخشاه ليس الشيخوخة بقدر ما يخشى الصمت، لأن استمرار القدرة على الكتابة والحديث هو التعبير الأصدق عن بقاء الحياة، وهو ما يتمنى أن يبقى في ذاكرة قرائه مقروناً بصدق ما كتب.
وحول تاريخ سوريا الحديث، يتوقف الحافظ عند التحولات التي أصابت البلاد، وكيف انتقلت من دولة ذات حضور إقليمي بارز إلى بلد يعاني أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة.
ويرى أن عقود الاستبداد الطويلة خلقت مناخاً من الخوف والصمت، وأضعفت الثقة داخل المجتمع، ما يجعل التحدي الأكبر اليوم متمثلاً في إعادة بناء الثقة بين السوريين أنفسهم.
وفي قراءته للمستقبل، يربط الحافظ مصير سوريا بقدرة أبنائها على التوصل إلى صيغة سياسية جديدة تضمن العدالة والاستقرار، مؤكداً أن بناء الوطن لا يمكن أن يتحقق إلا بأيدي السوريين أنفسهم، وعبر مصالحة وطنية حقيقية تنطلق من الاعتراف بالمعاناة وتغليب المصلحة العامة. كما يوجّه رسالة إلى المجتمع الدولي يدعو فيها إلى وضع معاناة السوريين في صلب أي حل حقيقي.
ويشير إلى أن الكتابة كانت بالنسبة له وسيلة لفهم الواقع وتوثيق التحولات التي مرت بها سوريا، من الأمل إلى الخيبة. وفي “الربيع المحاصر” سعى إلى توثيق لحظة الصدق التي عاشها السوريون في بداية الثورة، قبل أن يحاصرها العنف، ليجد نفسه شاهداً على الألم وحارساً لذاكرة الناس في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ البلاد.
وعن رحيل نظام الأسد البائد بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد، يصف الحافظ شعوره بـ”الفرح الحزين”، فهو ارتياح لطي صفحة الماضي، يقابله قلق على مستقبل لا يزال في بدايته، ويرى أن التحدي في المرحلة الجديدة يتمثل في إعادة الثقة بين السوريين على أسس العدالة والمسؤولية الوطنية.
ويختتم الحافظ بالتشديد على أن نجاح السوريين في بناء دولتهم يبقى مرهوناً بتقديم مصلحة الوطن على أي اعتبار آخر، والعمل المشترك من أجل مستقبل يقوم على العدالة والاستقرار.
العروبة – سلوى الديب