نقيب فناني حمص :القدود فن قديم ويعود الفضل لـ “حلب” في تعريف العالم بهذا الفن السوري الأصيل

اليوم تغيب عنا وثائق تتحدث عن بدايات القدود بشكل حقيقي وفريق من الباحثين يعيد أصلها لحلب بينما فريق آخر يتبنى فكرة ملخصها أن القدود فن سوري بامتياز عمره مئات السنين و يأخذنا نقيب الفنانين بحمص أمين رومية إلى أبعد من ذلك.. و يقول: إن القد خرج من عباءة الأغنية الشعبية و الأخيرة رافقت الإنسان منذ آلاف السنين حيث كانت تلبي حاجات الإنسان العاطفية والنفسية والترفيهية والدينية ومن أبرز سماتها أنها مجهولة المؤلف والملحن وخاضعة للتبدل والتغير وهي في حالة انصهار دائم لتعود وتتشكل من جديد كونها تنتقل شفاهياً من فم إلى فم ومن بيئة إلى أخرى فيعتريها التغير “هذا هو القد “،وهي في الأعم الأغلب أغنية وظيفية ،بسيطة اللحن والإيقاع وسهلة الحفظ ولا يوجد فيها تنوع مقامي إلا فيما ندر ، بحيث يمكن لأي إنسان أن يغنيها ولا يتطلّب غناؤها أصواتاً قوية أو مدرّبة .. والأمثلة على ذلك كثيرة (هالأسمر اللون -الوي الوي-سكابا-مرمر زماني-الدلعونا -ليا وليا -عاللالا ولالا.. ) و بحسب رومية لا توجد أبحاث أو دراسات تبين بشكل قاطع أصل القد ومن ابتكره ويرى أن ذلك أشبه بالمستحيل..

 و يؤكد أن القدود عرفت في سورية والعالم العربي بأصوات مطربين كبار أبرزهم من حلب صباح فخري و محمد خيري و صبري مدلل ومصطفى ماهر وغيرهم …ومن جيل الشباب الحلبي يوجد عدد لايستهان به ممن لازالوا أوفياء لهذا الفن الأصيل…

وتحدث رومية عن بعض الوثائق التي تشير إلى أن القس أفرام السرياني النصيبي المتوفى عام ٣٧٦م نقل أناشيد دينية كتبها قبله بمائة عام قس آخر يدعى برديصان المتوفى عام ٢٢٢م قام باستبدال كلماتها  في حين حافظ على اللحن والإيقاع والوزن لتلك الأناشيد وانتشرت الأغاني بالألحان ذاتها و لكن بكلمات جديدة و هذا كان أول توثيق للقدود حتى الآن على الأقل ،و لكنها ليست البداية فالقدود موجودة قبل ذلك التاريخ بمئات السنين ،وهي الأغاني الشعبية التي تتغير باستمرار …ولا يتميز القد بقالب خاص به كالموشح أو الدور أو المونولوج وإنما يأخذ أشكال القوالب التي يتم استبدال كلماتها فيمكن أن يكون القد موشحاً أو مونولوجاً أو قصيدة … وأضاف : إن المعنى اللغوي للقد هو القامة أو المقدار أما اصطلاحاً فهو أن تصنع شيئاً على مقدار شيء آخر، بمعنى أن يتم نظم الشعر على أعاريض لأغان معروفة ومتداولة دون المساس باللحن أو الإيقاع أو الوزن ، وأول من استخدم هذا المصطلح في فن الغناء هو الشاعر الشيخ أمين الجندي الحمصي المتوفى سنة ١٨٤١م في ديوانه المطبوع عام ١٩٠٠ م وفيه فصل خاص حمل عنوان : القدود اللطيفة والأناشيد الظريفة ، وقد لقّب الجندي بـ (شاعر القدود) وهو من أبرز الشعراء الذين كتبوا في هذا الفن وأغزرهم نتاجاً حيث تم توثيق ١٨٢ قداً في ديوانه المذكور امتازت كلها برقّة الألفاظ والمعاني ،وجمال الأسلوب ،فهي ترقى إلى لغة الموشحات لا بل أكثر متانة وجذالة منها في العديد من القدود ، ما أدى إلى اختلاط الأمر على البعض فاعتبر القد نوع من الموشحات ،وهذا غير صحيح فالموشح له بنية لحنية وشعرية وإيقاعية أكثر تعقيداً وأكثر صنعةً.. وأضاف :لقد قُدّر لفن القدود وجود نخبة من الشعراء الكبار المتصوفين إلى جانب الشيخ أمين الجندي في حمص أمثال :عبد الهادي الوفائي-أبو الخير الجندي- خالد الشلبي.. وفي دمشق :الشيخان عبد الغني النابلسي وعمر اليافي أستاذ أمين الجندي ، وفي مدينة حلب :أبو الوفا الرفاعي -يوسف القرلقلي-محمد النشار -أبو الهدى الصيادي…

 و بين رومية أن القدود أخذت منحيين : الأول ديني من خلال استبدال الكلمات الدنيوية بكلامات دينية فصيحة كتبها الشعراء المتصوفة وحفظها المريدون ليرددونها في خلواتهم ومجالسهم ويرقصون على إيقاعاتها الرشيقة, والثاني دنيوي يغنى في المناسبات الاجتماعية ،بعضه فصيح والبعض الآخر باللهجة المحكية ،وعند صياغة القد تتم المحافظة على حرف الروي والقافية في الأعم الأغلب،وهذا ليس شرطاً ..

ومن قدود الجندي التي مازالت تغنى حتى اليوم : (يا صاح الصبر وها مني -هيمتني تيمتني-ياغزالي كيف عني أبعدوك-يامن تناديني ياعيني- سل فينا اللحظ هنديّا-نديمي حي بذاك الحي -يانسيمات الخزامي-طاب وقتي “.

 و استعرض رومية الخطأ الحاصل لدى من ينسبون عدداً كبيراً من الأغاني الشهيرة لفن القدود في حين أنها بالأصل أغان مصرية معروفة الملحن مثل”مالك ياحلوة مالك – النبي يما – تكايديني ليه يارب البدع – صيد العصاري -و الفل و الياسمين -أنا السبب في اللي جرى ياعيني-سيبوني ياناس -حرّج عليّا بابا -) وبعضها سوري مثل( يامسعدك صبحية -يامال الشام ياطيرة طيري ياحمامة – ) لأبي خليل القباني ،وبعضها لبناني( ياجارحة قلبي -اشتقنا ياحلو والله اشتقنا )، وبعضها عراقي مثل (طالعة من بيت أبوها – فوق النخل )و ذكر ملحن كل أغنية… وأكد رومية أن القدود تحتاج لبحث دقيق و دراسة معمقة و تقديم الحجج و الوثائق في أمر نشأتها غير المحسوم إلا أن الأمر الذي لا لبس فيه أنها فن سوري بامتياز و لكل محافظة قدودها وخاصة دمشق و حمص و حلب حافظة التراث والتي يعود لها الفضل في تعريف العالم بهذا الفن السوري الأصيل لأنها قدمته بأصوات قديرة ورائعة فرضت جمالها على آذان الذواقة,وأشار إلى أن البحث في هذا المجال واسع ويطول مع أهل الاختصاص من خلال تقديم الحجج و البراهين…

 العروبة- هنادي سلامة :

المزيد...
آخر الأخبار