عرف الإنسان منذ القدم أهمية الدم للحياة… وأنه إذا فقد الكثير منه تتعرض حياته للخطر… لكن أن تنقذ حياة شخص عبر التبرع بالدم فهذا شيء آخر له وقفة نفهم من خلالها أهمية تبرع الإنسان بدمه.
المتبرع الأول في سورية
« الحياة جميلة ، ونحن نعيشها علينا أن نضع فيها بصمة ..» هذا كان شعاره وهكذا أراد أن يمضي حياته .. وكم تكون هذه البصمة جميلة عندما تكون لصالح إنسان آخر وفي سبيل خدمة الإنسانية .
في 14حزيران من كل عام تحتفل سورية باليوم العالمي للتبرع بالدم وبهذه المناسبة التي تصادف يوم غد التقينا علي محمود سليمان المصنف أولا كمتبرع بالدم في سورية حيث تبرع بالدم 300 مرة خلال حياته .
من مواليد 1960 – وادي العيون ، أول مرة تبرع بالدم كانت عام 1979 لاستكمال أوراق رسمية ، وكان في تلك الفترة يرى النظرة العامة من عملية التبرع بالدم لدى البعض والمتمثلة بالخوف والحالة النفسية المرتبكة ، ولكن بعد أن أدرك أنها عملية صحية وهي أشبه ما تكون بالوصفة الطبية المفيدة للإنسان قرر أن يقوم بها عدة مرات وبشكل دوري لأنها مفيدة من الناحية الصحية أولا ، وتعزز النظرة الإنسانية لدى الشخص المتبرع فهي نوع من أنواع العطاء للآخرين من مرضى ومصابين يحتاجون لنقل الدم من جهة ثانية .
وأكد لنا أنه وبعد تبرعه بالدم لأول مرة رأى أن التبرع ليس له عوارض جانبية بل على العكس هو مفيد لأنه يساعد على تجديد كريات الدم ،ورغم أن منظمة الصحة العالمية حددت أن المتبرع هو من بعمر ما بين 18- 60 سنة وصاحب جسم سليم يمكن أن يتبرع من 3إلى 5 مرات سنويا إلا أنه كسر هذه القاعدة فخلال عام واحد – 2014 تبرع (22) مرة .
دمي ..سلاحي
لكل إنسان دور في الحياة وكل حسب طاقته وإمكانياته ،وهذا ما نوه له علي فقال : بهذا العمر الذي وصلت له لم أعد أستطيع حمل السلاح ولكنني أعتبر أن دمي هو سلاحي أقدمه لأبناء بلدي وخصوصا جنود الجيش العربي السوري الذين نفتخر بهم ونعتز ، فالجندي السوري يقدم روحه في سبيل الوطن ونحن علينا ألا نبخل عليه ببضع قطرات من دمنا .
طموح .. مشروع
من الآمال والرغبات التي يتمنى علي أن يحققها هو تسجيل اسمه في مجموعة غينيس للأرقام القياسية وبذلك يرفع اسم بلاده سورية عاليا وكله فخر، فكما أكد لنا أمنيته هذه ليست لمنافع شخصية فهو لا تغريه المكاسب المادية أوالمكافآت ولكن يتمنى أن تأخذ فكرة التبرع بالدم مجالا أوسع من التوعية والاهتمام لفائدتها للشخص من الناحية الصحية ، وللمجتمع بشكل عام فقال : أشعر بسعادة عامرة عندما يستوقفني أحدهم ويشكرني على إنقاذ حياة قريب له بسبب تبرعي بالدم وفي إحدى المرات وأثناء خروجي من المشفى استوقفتني إحدى السيدات وقالت لابنها الصغير : أشكر العم لأنه تبرع بدمه وأنقذ حياتك ..نعم لولاك لما كان ولدي على قيد الحياة ..
يوم .. عالمي
تحتفل دول العالم في 14 حزيران من كل عام باليوم العالمي للتبرع بالدم لإذكاء الوعي بالحاجة إلى الدم الآمن ومنتجاته وتقديم الشكر للمتبرعين بدمائهم طواعية دون مقابل على ما يقدمونه من هبات الدم المنقذة لأرواح الملايين سنويا.
في سورية يحيي السوريون هذا اليوم عبر حملات التبرع والمبادرات الفردية والمجتمعية والنشاطات والفعاليات الشبابية التي لبى عبرها الكثيرون نداء الوطن والواجب وتبرعوا بدمائهم لجرحى الجيش العربي السوري والجرحى المدنيين الذين استهدفهم الإرهاب على اختلاف مواقعهم ،وقد أكد لنا علي سليمان أن سورية احتفلت لأول مرة بهذه المناسبة عام 2006 ،وقد كرم وقتها بأنه المتبرع الأول ،وقد زادت عدد زياراته للمستشفيات ومراكز التبرع بالدم في عدد من المحافظات السورية ولا سيما بعد الحرب فقال :أنا فخور جدا بقدرتي على التبرع دعما لجيشنا العربي السوري الصامد وإنقاذ الجرحى من أبناء هذا الوطن وسعيد لامتزاج دمي بدم الأبطال الذين يقدمون حياتهم دفاعا عن الوطن، وما أقوم به أقل من الواجب لإنقاذ الجرحى والمصابين في ظل ظروف صعبة تمر بها البلاد.
وقال: أنا أتمتع بصحة جيدة ودم نقي وأصر في كل مرة على التبرع دون التقيد بالمدة الزمنية المسموح بها وهي التبرع لمرة واحدة كل ثلاثة أشهر للأشخاص الأصحاء .
كلمات من القلب
أراد علي سليمان أن يعبر عما ينتابه من شعور في كل مرة يتبرع بها بالدم فقال :أنا الجريح الحي ، أنا المتبرع الأول بالدم في سورية وعندما يسألني صديق: كم من الأماكن زرت ؟
أقول له : عندما أتبرع بدمي فكأنما زرت كل تراب سورية ، ومن عرف سورية عرف العالم ، لقد امتزجت دماء الأمل بدموع الحب لأجل سورية.
لقد قمت برحلات عبر قامات السنديان إلى هامات المستقبل ،وتنقلت في شرايين الجرحى ، ودروب العز ،وخلف سواتر الفخر،ورمال الصحراء ، لقد رحلت أعلى عليين مع الشهداء ، ورحلت إلى صدور الثكالا وإلى ضحكة الأطفال وإلى جنان الخلد مع تلك الأرواح الطاهرة.
رحلت عبر دموع الفرح وزغرودة أم الشهيد إلى كل البيوت وإلى صدر تلك الأم وهي تضم ابنها الجريح وعيناها تحدق في وجهي وتقول لي :
قطرات دمك جزء من حياتي ، بني روحي فداك .. أنت أنقذت ابني .
العروبة – منار الناعمة