المشروع النهضوي وثقافة المقاومة

العدد: 
15111
التاريخ: 
الأحد, حزيران 10, 2018

تخوض الأمة العربية معارك ثقافية شرسة لإثبات ذاتها في المحافل العالمية بعد أن عمد الغرب الاستعماري لتشويه كل حواملها الحضارية لإدراكه أن الحامل الثقافي يبقى أهمها على الإطلاق بحكم انه يشكل حصنها وملاذها الذي يضمن رعايتها ونموها واستمرارها لذلك استنهض أبناء الأمة هممهم لتصحيح هذا التشويه الناتج عن حراك الغازي الأجنبي الذي يتحرك وفق مصالحه وقد عمل وما زال على تكريس التبعية له ولاسيما في البعدين الثقافي والاقتصادي لذا يأخذ اليوم البعد الثقافي للمقاومة بكل حوامله أهمية مضاعفة في وضعنا العربي الراهن بسبب الهجوم الذي يشنه أعداء الأمة على محور المقاومة بهدف إبعاد الأمة عنه، بوسائل شتى، سواء عبر الانتقاص من قيمته أو دمغه بالإرهاب أو استهدافهم ، مما يستوجب علينا إيلاؤه ما يستحق من أهمية كون ثقافة المقاومة  من مناقضة لثقافة الاستسلام التي يراد فرضها على أمتنا وبناء أجيالها على أساسها، لذا تطرح ثقافة المقاومة نفسها كنقيض لتلك الثقافة، باعتبار أن ثقافة المقاومة هي نتاج لتراكم وموروث يتشكل وينمو /  كما الهوية العربية /  ضمن حواضن تاريخية وتأثيرات معاصرة تلعب دوراً في صياغتها وبلورتها وصهرها ضمن كيان جامع للتراث والتاريخ والتربية والسلوك وهذا ممكن وليس ضربا من المستحيل بدليل أننا نقاوم حاليا كل التيارات التي تهب علينا من خلف البحار والمحيطات لترمي بنا إلى غياهب المجهول ما يعني أن الأرضية قائمة لأمتنا وصالحة لكي نبني عليها ثقافة قادرة على تذليل العقبات وتجاوز التحديات التي تنتصب أمامنا أساسا في تجليات مشروع الحلف الصهيو أمريكي وهو التحدي الذي ينبغي مواجهته ثقافياً عبر الفكر والتربية والإعلام والآداب والفنون بأشكالها، وهي المعركة التي تقع على كاهل المثقف العربي أساسا لرسم طريقها وتكريس مفاهيمها في عقل الأجيال ، وأول شروط إنجاح عملية نشر هذه الثقافة هو إعادة بناء مجموعة من المفاهيم والتصورات بما يخدم هذه الروح ويعمل على بلورتها وسيادتها على ارض الواقع، خاصة الاستعداد الكبير الذي عبرت عنه جماهير الأمة أثناء انتفاضتها تضامنا مع أهلنا في فلسطين  في مواجهة ما تعرضوا له من همجية في العدوان الأخير، لتمثل ثقافة المقاومة واستيعابها والتحرك على ضوئها.
إن تجاوز المصطلحات التي يعمل الحلف الصهيو أمريكي على ترويجها ونشرها وتكريسها ليس كافيا لبناء ثقافة مقاومة، بل ينبغي أن يكون الأمر مسنوداً باستحضار بعض تجارب المقاومة عبر التاريخ وأهميتها لأن التاريخ يعتبر منارات لقصص وحكايات النضال ..فاغتصاب فلسطين من قبل الكيان الصهيوني لا ينبغي أن ينسينا حتمية زواله مهما طال الزمن فقد استمر الاحتلال الفرنسي للجزائر 132 سنة وكان شبيها بنظيره الصهيوني لفلسطين (كانت الجزائر تسمى فرنسا الأفريقية) ومع ذلك رحل الاستعمار ومستوطنوه الذين كانوا يعدون بالملايين وحققت الثورة الجزائرية نصراً مدويا للأمة العربية على أعدائها، كما اندثرت دول كثيرة وانهارت رغم أنها كانت دولا طبيعية (عكس الكيان الصهيوني الذي يُعتبر كيانا غير طبيعي بكل المقاييس).
كما أن تاريخ العرب مليء بالدروس والعبر في الصمود والتصدي للغزو الأجنبي سواء في تاريخنا المعاصر أو في زمن التصدي لحروب الفرنجة واستعادة القدس وفلسطين بعد احتلال مستمر لمائة عام.
 لقد أصبح خيار ثقافة المقاومة الخيار الأكثر عقلانية وواقعية  وما المشاهد التي يسطرها اليوم أبناء فلسطين ضد صفقة القرن إلا ملاحم بطولية فسلاحهم الوحيد ثقافة المقاومة .
إن أهمية البعد الثقافي للمقاومة لا ينبغي أن ينسينا الأبعاد الأخرى حتى نستطيع انجاز مشروعنا النهضوي بأركانه المختلفة سعياً منا لنجعل لأمتنا مكانا تحت الشمس في هذا  العالم المضطرب الأحوال.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
علي عباس