أيام رمضان ....!!

العدد: 
15111
التاريخ: 
الأحد, حزيران 10, 2018

كنا صغاراً في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية ، في ستينيات القرن الماضي ، وكان لشهر رمضان المبارك طقوسه الجميلة ، ولعل أكثر ماكان يبهجنا ، نحن الصغار ، هو أن نشارك أهلنا طعام السحور ، أن نستيقظ بعد منتصف الليل ونتناول الطعام مع أبينا وأمنا ، كان أمراً مفرحاً كثيراً بالنسبة لنا ، أشقائي وأنا ، وحتى نحظى بهذا ، كان لابد من إعلان نيتنا أننا سوف نصوم ، فيوقظنا أهلنا لتناول السحور ، أو ربما نستيقظ بسبب الجلبة التي يحدثها هدير (موقد الكاز) الذي ربما يوقظ الجيران أيضاً .
إبريق شاي كبير مطلي باللون الأزرق من الخارج واللون الأبيض من الداخل كان يتوسط المائدة ، أما الطعام فكان يوضع على طبق كبير مصنوع من القش ، ولعل السؤال الذي لم أستطع الإجابة عليه هو ما سر هذا الولع باحتساء الشاي بالنسبة للصغار وهو ما نجد عليه أبناءنا هذه الأيام ، أيضاً .
الشاي والحليب واللبن الرائب والزبدة الممزوجة بالقريش .. فالمكدوس لم يكن معروفاً تلك الأيام أما أرغفة خبز التنور فكانت كبيرة وسميكة وناضجة ، ما جعل والدتي تكرر القول ( يكفينا هذا الخبز الذي يغني عن الأدام ، والأدام بالفصحى هو الطعام الذي يؤكل مع الخبز .
في اليوم التالي كنا نذهب إلى المدرسة ونتباهى أمام رفاقنا بأننا صائمون .. مثل الكبار ، وكنا نستمر بالصيام حتى العصر .. وعندما نشعر بالتعب والإعياء ..ويرى أهلنا وجوهنا مصفرة .. كان بعضنا يتناول الطعام بعد أن صام نصف يوم أو أكثر قليلاً ...وكان الأهل يخففون من أسفنا للاضطرار لتناول الطعام بالقول على سبيل الدعابة سوف يحسب لكم في نهاية الشهر أنكم صمتم نصف الشهر .. وهذا أفضل بكثير من عدم الصوم .. فالله يسامحكم لأنكم صغار ولا تقوون على صوم النهار كله ...!!
ومن يصبر منا ويصوم النهار كله ، فهو موضع تقدير وثناء الأهل والأقارب .
وفترة الإفطار ، تلك الأيام ، كانت لها طقوسها الجميلة ، فالوسيلة الوحيدة التي تربط القرية بالعالم ، كان المذياع .. ولم يكن في القرية سوى عدد محدود منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وهكذا كان أهلنا يرسلوننا بعد اختفاء قرص الشمس وراء الجبل .. إلى بيت أبي اسماعيل وسط القرية ننتظر أمام المنزل حتى ينطلق الآذان ..فنعود راكضين إلى أهلنا نخبرهم أن موعد الإفطار قد حان ..
وفي تلك الأيام كنت ترى أنواعا عديدة من الأطعمة على مائدة الفطور ، فالجيران يتبادلون الأطباق ، وهي عادة أرى أنها انقرضت هذه الأيام ، إلا ماندر ، ومن آداب شهر رمضان التي كنا نراها تلك الأيام أن الشخص غير الصائم لايتناول طعاماً أو شراباً أو يدخن أمام الناس احتراماً للشهر الفضيل ....!!
وفي عام 1964 أعلن والدي رحمه الله عن حدث سيغير حياتنا ..وقال إنه قد باع شاة أو اثنتين كي يشتري بثمنهما مذياعاً ...وبدأنا نقفز فرحاً لهذا الخبر وفي اليوم التالي كنا ننتظر ( البوسطة ) كي نستقبل أبي العائد وهو يحمل المذياع .. فصرنا نستمع إلى آذان رمضان وتمثيليات كثيرة كانت تبث وقت الإفطار ،أذكر منها ( صابر وصبرية ) وكان الجيران يستمعون معنا .. وكنا نرحب بهم فرحين ونحن نسمع الأخبار والتمثيليات والمواد المنوعة .
ومن الأناشيد التي كنا نسمعها تلك الأيام ونرددها وكانت موجودة في المنهاج الدراسي  نشيد ( أهلاً يارمضان ) ومنه :
أهلاً ...أهلاً يارمضان
شهر الخير والإحسان ..
أيام مضت ووجوه أكثرها غيبها الموت ، ورمضان له موعد ننتظره بفرح ..فمن يعرف معاني رمضان ويتمثلها يتمنى لو أن كل الشهور كانت رمضان .. وكل عام وأنتم بخير...!!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل