أطول حرب في التاريخ

العدد: 
15158
التاريخ: 
الخميس, آب 16, 2018

التاريخ مملوء بالحروب و الجرائم و الكوارث كما أنه مليء بالأخبار المشجعة التي تصف الروح التي تتحدى و تصمد أمام العبودية و القهر و تتوق الى الحرية و الكرامة .و لا يوجد في التاريخ الحديث أو حتى القديم مثل  تلك الحروب التي شنها الإستعمار الغربي بصوره المختلفة على شعب أعزل لم يعتد على أحد و لم يحتل أرض أحد  في أطول حرب ضد شعب مثلما حدث في فلسطين.
 في جانب واحد من هذه المعركة الطويلة نجد الاستعمار الأوروبي في  أبشع صوره في مطلع القرن العشرين ممثلا في بريطانيا و في منتصفه ممثلا بأمريكا و ما بينهما نجد حركة أوروبية عنصرية استيطانية نشأت على ثقافة الاستعمار و انتعشت على نار الحرب العالمية الثانية و هي الحركة التي بدأتها أوروبا جزءاً و صنعتها كلاَ و أمدها الغرب َ بوقود المال و السلاح و السياسة و الفكر و الثقافة . ففي رحم أوروبا نشأت الصهيونية و انفصلت عنها كما يفصل الطفل الوليد عن أمه و لكن الحبل السري بقي متصلا و لا يزال يقوى و ينتفخ يوما تلو الآخر .
ليس هناك سر في أهداف الصهيونية فقد نشرت أهدافها و دعت إليها في كل الأماكن و العصور و هي إن أخفت بعض خططها التفصيلية فهي لم تخف منذ أكثر من قرن ماالذي تريد تحقيقه . الصهيونية تريد صياغة تاريخ و جغرافيا جديدين لفلسطين و ما حولها ، التاريخ يبدأ عندها منذ بداية القرن حين اختلطت بعض القبائل العبرانية بأهل فلسطين و ذابت بينهم و هاجر بعضها الى بابل  .
 و بعد ألفي سنة عادت تلك القبائل المجهولة الى فلسطين لتقيم عليها كيان الاحتلال الإسرائيلي الحديث ، و من هنا فإن عملية التنظيف أو التطهير العرقي نجده  متجذراً  في الفكر الصهيوني و لا تعيش من دونه ، و لهذه العملية ثلاثة أذرع :
اقتلاع أهل هذه الأرض من ديارهم و الاستيلاء على الأرض و ما عليها من ممتلكات و ثروات و مسح تاريخهم بإزالة كل ذكر لهم في كتبهم و دراساتهم و مسح و تشويه جغرافيتهم بتدمير قراهم و آثارهم الدينية و الحضارية ، و كما يتملك الصهيوني الذعر الشديد من احتمال أن يعود فلسطيني واحد الى بيته يتملكه الذعر أيضاَ  اذا رأى جداراَ من بقايا مسجد أو كنيسة أو شاهداَ من شواهد قبور الذين عاشوا على هذه الأرض، و ليس عجيباً أن يقوم الصندوق  القومي اليهودي- رمز العنصرية الصهيونية المنتشرة في 55 بلداَ بزرع الأحراش و المنتزهات على طول مواقع القرى المدمرة كي يخفي معالم جريمته .
و هكذا استمرت الحركة الصهيونية بالنمو على يد بريطانيا التي ساعدت كثيرا على تدفق اليهود الى فلسطين فثار الفلسطينيون و لكن بريطانيا قمعت ثورتهم و دمرت قرى بأكملها و قتلت المئات و هكذا بدأت النكبة  ، بعد ذلك جاء مشروع التقسيم و الذي كان عبارة عن غطاء قانوني للاحتلال لتنفيذ مخططاته في تدمير فلسطين  و إقامة  كيان  يهودي  على ركامها ،و بالتالي أضحى أصحاب الحق التاريخي دون حق و أصحاب المؤامرة تمكنوا من الاستيلاء على هذا الحق التاريخي في واقعة ليس لها مثيل في التاريخ ،كانت هذه هي عملية التطهير العرقي التي أزالت أهل البلاد من ديارهم ليحل محلهم مهاجرون أجانب.
لقد كانت هذه عملية منظمة حسب خطة طويلة المدى شاركت فيها كل القوى الاستعمارية و استمرت لمدة 60 عاما ! و ما زالت مستمرة حتى الآن و هي مخالفة لكل  قانون دولي و قد شجعها المجتمع الدولي على مدى عقود طويلة.
إن احتلال فلسطين و اقتلاع أهلها حدث يتحدى مسيرة التاريخ و قد تم و لا يزال  قائماَ من دون سبب من أسباب الديمومة التي تكفل بقاء الشعوب و ازدهارها و القبول بها ، بل هو مستند الى قاعدة واحدة فقط هي القوة العسكرية المهيمنة.
وحالياَ و في القرن الحالي و بعد أحداث 11 أيلول للعام 2000 التي افتعلتها الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية على أرضها في سبيل رسم استرتيجيات  استعمارية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط في سبيل تعزيز قوة و قدرة إسرائيل و دعمها لتكون الأكبر بالمنطقة من حيث عدد السكان و المساحة و تقسيم الدول العربية الى دويلات و كونتونات اقليمية طائفية متناحرة و السيطرة على مقدرات و ثروات المنطقة .....بشرت وزيرة خارجية أمريكا السابقة كونداليزارايس بالفوضى الخلاقة و التي شهدنا نسائمها مع هبوب رياح مايسمى “الربيع العربي “ التي اجتاحت معظم الدول العربية و نعيش تبعاتها اليوم على مختلف الصعد و لكن الجديد هو مخطط سايكس بيكو القائم على أسس عرقية و أثنية طائفية و اعتماد أساليب ممنهجة و مدروسة بعناية فائقة لبث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد .
                       

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نبيلة ابراهيم