لم يكن الحراك السياسي الكردي في سوريا يوماً قائماً على مشاريع انفصالية كما حاول النظام السوري البائد تصويره، بل نشأ منذ بداياته في منتصف القرن العشرين على أرضية المطالبة بالحقوق المدنية والثقافية واللغوية، ضمن إطار الدولة السورية الواحدة.
تشكّلت أولى البذور التنظيمية الكردية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، كردّ فعل على التمييز القانوني والإداري الذي مارسته الدولة ضد الأكراد، خصوصاً بعد كارثة التعداد الاستثنائي عام 1962، الذي جرّد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية.
مطالب واضحة وثابتة
ركزت الحركة السياسية الكردية في سوريا، التي انبثقت منها لاحقاً العديد من الأحزاب والتيارات، على مطالب محددة وثابتة، لم تتغير رغم تعاقب الأنظمة، أبرزها الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي في سوريا كمكون وطني أصيل، وإعادة الجنسية للمجردين منها قسراً بموجب التعداد الباطل.
كذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغة ثقافية وتعليمية، والسماح بتداولها في المؤسسات والمدارس ووسائل الإعلام، وضمان التمثيل السياسي الحقيقي للأكراد في مؤسسات الدولة، بما يعكس حضورهم الديمغرافي، ورفع الحظر عن العمل السياسي والمدني الكردي وإنهاء سياسة الرقابة والتضييق الأمني.
بين الاتهام بالانفصال والواقع الوطني
لطالما اتُّهمت الحركة الكردية في سوريا من قبل نظام الأسد البائد بأنها تسعى إلى “الانفصال”، وهو خطاب يُراد منه نزع الشرعية عن مطالبها المحقة، ووصمها بالعمالة أو التآمر، غير أن الوثائق الصادرة عن غالبية الأحزاب الكردية تؤكد تمسكها بوحدة الأراضي السورية، ورفضها لأي طرح تقسيمي، كان مشروعها دائماً وطنياً بامتياز، يستند إلى مبدأ الشراكة في الحقوق والواجبات، والمساواة بين المواطنين.
منعطفات تاريخية
واجهت الحركة الكردية محطات قمع شديدة، أبرزها ما جرى في انتفاضة القامشلي عام 2004، حين خرج آلاف الأكراد في تظاهرات سلمية ضد التهميش، فقوبلوا بالرصاص الحي والاعتقال، ومنذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، وجدت بعض القوى الكردية نفسها أمام واقع جديد، حاولت فيه أطراف عسكرية وسياسية، لا سيما “قسد” و”الإدارة الذاتية”، توظيف الخطاب الكردي لصالح أجندات لا تعبّر بالضرورة عن مجمل الحركة السياسية التاريخية للأكراد في سوريا.
تمييز بين الحركة الأصيلة والمشاريع المفروضة
من المهم التمييز بين الحركة الكردية الأصيلة، التي نشأت من رحم النضال الشعبي، وتلك الكيانات العسكرية/السياسية التي ارتبطت بقوى خارجية، وفرضت رؤى انفصالية أو استعلائية على الأرض.
فبينما طالبت الحركة التقليدية بالحقوق ضمن سوريا الموحدة، جنحت بعض التشكيلات الانفصالية المسلحة نحو فرض واقع إداري منغلق، وإقصاء بقية المكونات تحت شعارات “الإدارة الذاتية” أو “الفيدرالية القومية”، ما شوّه الصورة وأساء للقضية الكردية نفسها، بل استثمرها لصالح تحقيق أجندات خارجية تسعى للانفصال باسم بناء دولة للكرد.
إعادة الاعتبار في عهد الرئيس أحمد الشرع
مع وصول الرئيس أحمد الشرع، طُويت مرحلة طويلة من التجاهل الرسمي لمطالب الأكراد، وشكّل المرسوم الجمهوري رقم 13 لعام 2026 نقلة نوعية في تعامل الدولة مع الملف الكردي، إذ أعاد الجنسية للمجردين، واعترف بالهوية الثقافية الكردية، ودعا إلى الشراكة الوطنية الكاملة، بعيداً عن منطق الاسترضاء الأمني أو الاستغلال السياسي.
هذا التحول أعاد للحركة الكردية الأصيلة زخمها، وأثبت أن الحقوق لا تُمنح بالتجزئة، بل تُصان في إطار الدولة العادلة.
نضال وطني لا نزعة انفصالية
الحركة السياسية الكردية في سوريا لم تُبنَ يوماً على مشاريع تفتيت، بل على أسس الانتماء الوطني والحقوق المتساوية، فالأكراد، الذين قدّموا تضحيات جسام في سبيل سوريا، لم يطالبوا بأكثر من أن يُعاملوا كمواطنين كاملي الحقوق، وبينما صادر الأسد هذه المطالب لعقود، أعادها الشرع في لحظة إنصاف تاريخية، ليفتح صفحة جديدة عنوانها: “العدالة لكل السوريين”.
مقال: أحمد نور الرسلان