لم يكن عيد الأضحى في حمص مجرد مناسبة دينية، بل موسماً اجتماعياً وإنسانياً كانت تتبدّل معه ملامح المدينة وحاراتها وأسواقها. فالعيد، كما يرويه أبناء حمص، كان يبدأ قبل حلوله بأيام، حين تنشغل البيوت بتحضير المعمول و”الأقراص”، وتزدحم الأسواق بالناس، فيما تتسابق الحارات في النظافة واستقبال المناسبة بروح جماعية صنعت ذاكرة ما تزال حاضرة رغم سنوات الحرب والغياب.
ويستعيد الحاج أيمن ديب المصري، المعروف بـ”أبو سامر”، أحد وجهاء مدينة حمص، تفاصيل العيد الحمصي القديم، متحدثاً عن طقوس ارتبطت بالمدينة وأهلها، وبقي كثير منها راسخاً في الذاكرة رغم تبدّل الزمن والظروف.
ويقول إن التحضير للعيد كان يبدأ من “القلوب قبل البيوت”، إذ كان الناس يحرصون على تصفية الخلافات والتسامح قبل حلول العيد، فيما تتحول الحارات إلى مساحة واحدة تجمعها الألفة والمحبة.
ويضيف أن الأيام التي تسبق العيد كانت تحمل طقوساً خاصة، تبدأ بتنظيف الحارات وواجهات المنازل، وصولاً إلى تحضير المعمول والأقراص داخل البيوت، حيث كانت النساء يجتمعن للمساعدة وتبادل الأحاديث وسط أجواء تعبق بروائح المحلب واليانسون.
ويشير إلى أن أسواق حمص القديمة، كسوق الدبلان والأسواق المسقوفة، كانت تضج بالحركة حتى ساعات الفجر، مع ازدحام الأهالي لشراء حاجيات العيد، في مشهد يمنح المدينة أجواء احتفالية خاصة.
ويؤكد أبو سامر أن “البركة كانت حاضرة”، فالناس كانت تشتري وفق إمكاناتها البسيطة، لكن الفرح كان يملأ المكان بعيداً عن المظاهر والتكاليف الباهظة.
ومن أبرز مظاهر عيد الأضحى في حمص شراء الأضحية قبل أيام من العيد، حيث كان الخروف يُربط في أرض الدار أو على الأسطح، ليتحول إلى جزء من يوميات الأطفال الذين يعتنون به ويزيّنونه بالأقمشة الملونة.
ويصف أبو سامر تلك العلاقة بقوله: “كان كبش العيد رفيق الأطفال ومصدر فرحتهم الكبيرة قبل أن يصبح أضحية”.
ويشير إلى أن روح صلة الرحم كانت من أبرز سمات العيد، إذ تبدأ الزيارات من منزل الجد والجدة بعد صلاة العيد مباشرة، وتجتمع العائلة حول مائدة واحدة، فيما يتبادل الصغار “العيديات”، وتمضي ساعات العيد وسط أجواء من الدفء العائلي.
كما كان للجيران مكانة خاصة، إذ “كان الجار قبل الأخ”، وكانت الحارات تتكاتف في الفرح والحزن، فيما يحرص الأهالي على مواساة العائلات التي فقدت أحد أفرادها، لتكون زيارتهم أولى واجبات العيد قبل أي مظهر من مظاهر الفرح.
ويرى أبو سامر أن أكثر ما ميّز عيد الأضحى في حمص هو “البساطة والعفوية”، إلى جانب روح الدعابة الحاضرة حتى في أصعب الظروف، فضلاً عن عادة توزيع لحوم الأضاحي على مختلف بيوت الحارة، بغض النظر عن المعرفة أو القرابة.
كما شكّلت تكبيرات العيد، التي كانت تصدح من مساجد المدينة القديمة، جزءاً أساسياً من هوية العيد في حمص، حيث “كانت تخرج من القلوب قبل المآذن”، على حد وصفه.
واحتفظت حمص بعاداتها الغذائية الخاصة في العيد، ومن أبرزها المعمول الحمصي بالفستق والجوز، و”الأقراص” المعطّرة بالمحلب واليانسون، إضافة إلى فطور أول أيام العيد المرتبط بـ”الشقف” والمعلاق المشوي بعد ذبح الأضحية.
ويصف أبو سامر صباح العيد في حمص القديمة، حين كانت العائلة تجتمع كاملة بعد صلاة العيد في منزل الجد والجدة، ويتبادل الجميع التهاني، فيما يقبّل الصغار أيدي الكبار طلباً للرضا والبركة، قبل توزيع “العيديات” على الأطفال.
أما الأطفال، فكانوا يعيشون فرحة استثنائية بقدوم العيد، إذ كانوا ينامون بانتظار صباح العيد وثيابهم الجديدة إلى جانبهم من شدة الحماس، ليستيقظوا صباحاً مرتدين أجمل ما لديهم، وعينهم على “العيدية” التي سينفقونها لاحقاً على المراجيح وألعاب العيد.
وعن طقوس العيد الشعبية، يتحدث أبو سامر عن المراجيح الخشبية التي كانت تُنصب في ساحات الحارات القديمة، وأصوات الأغاني الشعبية التي كان الأطفال يرددونها، إضافة إلى “العراضات” الشعبية وأصوات الطبل والزمر التي كانت تملأ المدينة بأجواء البهجة والاحتفال.
ورغم مرور السنوات، ما تزال بعض العادات حاضرة حتى اليوم، مثل صلاة العيد وتبادل التهاني عبر الزيارات السريعة أو الاتصالات الهاتفية، إضافة إلى استمرار بعض العائلات في إعداد “الأقراص” الحمصية، التي ما تزال رائحتها تحمل شيئاً من ذاكرة المكان.
لكن أبو سامر يلفت إلى أن كثيراً من الطقوس بدأت تتراجع، وفي مقدمتها اجتماع العائلة الكبير في منزل الجد، بسبب التهجير وتشتّت العائلات بين دول اللجوء ومناطق النزوح، إلى جانب تراجع عادة إعداد المعمول بشكل جماعي داخل البيوت نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.
ويصف تأثير الحرب على العيد بقوله إن الحرب “سرقت روح العيد”، بعدما دفعت حمص ثمناً باهظاً من أبنائها وأحيائها، فيما جعلت الظروف الاقتصادية شراء الأضحية حلماً صعب المنال بالنسبة لكثير من العائلات.
ويرى أبو سامر أن الجيل الجديد لم يعش تفاصيل حمص القديمة ودفء أحيائها، بل تعرّف إليها من خلال روايات الكبار وذكرياتهم، مضيفاً أن الشباب اليوم “متمسكون بالحكايات”، لكنهم لم يعيشوا الروح الحقيقية التي كانت تصنعها العلاقات الاجتماعية البسيطة والعفوية.
أما أكثر ما يفتقده من أعياد الماضي، فهو “جمعة الناس على نية صافية”، إضافة إلى شوارع حمص القديمة المليئة بأهلها.
وعن أجمل ذكرى ما تزال عالقة في ذاكرته، يستعيد أبو سامر جلسات العائلة في “أرض الديار” تحت الياسمينة، فيما كانت تكبيرات العيد تنطلق من مساجد حمص وتملأ المدينة بالحياة، “حين كان الجميع حاضراً، بلا غياب ولا فراق”.
ويؤكد أبو سامر أن العيد في حمص كان يقوم على البساطة والمحبة وصلة الرحم، بعيداً عن المظاهر، مشيراً إلى أن ما منح العيد معناه الحقيقي هو العلاقات الإنسانية التي جمعت الناس، وحرصهم على مشاركة الفرح وتفقّد بعضهم بعضاً مهما كانت الظروف
العروبة – هيا العلي