العيدية… طقس اجتماعي يزرع الفرح ويعزز صلة الرحم في الأعياد

تُعدّ العيدية واحدة من أبرز العادات والتقاليد الراسخة في الثقافة العربية والإسلامية، ومظهراً أساسياً من مظاهر الاحتفال بعيدَي الفطر والأضحى، لما تحمله من معانٍ ترتبط بالفرح والمحبة والتكافل الاجتماعي. وتتمثل العيدية غالباً بمبلغ مالي أو هدية رمزية تُقدَّم للأطفال والنساء والأقارب، بهدف إدخال البهجة إلى النفوس وتعزيز الروابط الأسرية خلال أيام العيد.

جذور تاريخية ممتدة

وأوضح عضو الجمعية التاريخية في حمص رامي الدويري لـ”العروبة” أن العيدية تعود بجذورها إلى عصور إسلامية قديمة، حيث تطورت أشكالها ومضامينها عبر مراحل تاريخية متعددة.

وأشار إلى أنه في العصر الفاطمي، بين القرنين الرابع والسادس الهجري، ظهرت العيدية بشكل رسمي تحت مسمى “الرسوم” أو “التوسعة”، إذ كان الخلفاء الفاطميون يوزعون الدنانير الذهبية والملابس والهبات على رجال الدولة والفقهاء وعامة الناس صباح يوم العيد، تعبيراً عن الفرح ومشاركة الناس أجواء المناسبة.

وأضاف أن العيدية عُرفت في العصر المملوكي باسم “الجامكية”، وهي مخصصات مالية أو كسوات فاخرة كان السلاطين يوزعونها على الأمراء والجنود وموظفي البلاط، وتختلف قيمتها بحسب المكانة والرتبة.

وبيّن الدويري أن العيدية اكتسبت في العصر العثماني شكلها الاجتماعي المعروف اليوم، فلم تعد مقتصرة على الحكام، بل تحولت إلى عادة أسرية واجتماعية يتبادلها الآباء والأقارب مع الأطفال والنساء، في إطار من صلة الرحم والتكافل والمحبة.

العيدية… عادة تعزز الروابط الأسرية

وأكد الدويري أن جوهر العيدية بقي ثابتاً رغم اختلاف طرق تقديمها بين بلد وآخر، ويتمثل في نشر الفرح وتقوية العلاقات العائلية.

ولفت إلى أن كثيراً من الأهالي يحرصون قبيل العيد على تأمين أوراق نقدية جديدة ولامعة، لما تتركه من أثر خاص في نفوس الأطفال، الذين ترتبط لديهم فرحة العيد بالحصول على “الفكة” الجديدة.

وأشار إلى أن طرق تقديم العيدية شهدت تطوراً مع مرور الوقت، فلم تعد تقتصر على تسليمها باليد، بل باتت توضع داخل مغلفات ملوّنة تحمل عبارات تهنئة، وأحياناً تُرفق بالشوكولاتة أو الألعاب الصغيرة، ما يمنحها طابعاً احتفالياً مميزاً.

وأوضح أن العيدية تُعد أيضاً دافعاً مهماً لزيارة الأقارب وتبادل المعايدات، حيث تنتقل العائلات بين البيوت لتقديم العيديات للأطفال والنساء، في مشهد يعكس قيم المحبة والتسامح وصلة الرحم المتجذرة في المجتمع السوري.

أبعاد تربوية ونفسية

وبيّن الدويري أن قيمة العيدية لا تقتصر على بعدها المادي، بل تحمل أبعاداً تربوية ونفسية مهمة، إذ تعزز لدى الأطفال الشعور بالأمان والانتماء الأسري، كما تمنحهم فرصة أولى للتعامل مع المال، من خلال تعلم الادخار واتخاذ قرارات الشراء.

وأضاف أن العيدية تساهم في ترسيخ صورة الأعياد الدينية في ذاكرة الطفولة بوصفها مناسبات للفرح والعطاء والتكافل، وهو ما يترك أثراً إيجابياً يرافق الإنسان طوال حياته.

طقوس العيدية في المجتمع السوري

وأشار إلى أن طقوس العيدية تبدأ صباح يوم العيد بعد العودة من صلاة العيد وتناول فطور العائلة وحلويات العيد التقليدية كالمعمول.

ويكون المنزل المحطة الأولى، حيث يقدّم الأب العيدية لزوجته وأطفاله، قبل أن تتجه العائلة إلى منزل الجد والجدة، ليجتمع الأحفاد ويحصلوا على “البركة” والعيدية الأولى من كبير العائلة.

كما تشهد أيام العيد جولات معايدة بين الأقارب، حيث يزور الرجال والشباب بيوت الأخوات والعمات والخالات لتقديم العيديات والمعايدات، وهي من العادات الاجتماعية الراسخة في المجتمع السوري.

“ساحات العيد”… الوجه الآخر لفرحة الأطفال

وأكد الدويري أن العيدية لدى الأطفال ترتبط بطقوس شعبية مميزة، إذ تتجه جموعهم إلى “ساحات العيد” لركوب الأراجيح و”القلابات” وسيارات الخشب، إضافة إلى شراء الألعاب البسيطة والبالونات وحلويات الشارع التقليدية مثل غزل البنات والتفاح المغطس بالسكر والموالح.

ويبقى للعيدية، رغم بساطتها، حضورها الخاص في الذاكرة الاجتماعية، بوصفها رمزاً للفرح والعطاء ووسيلة للحفاظ على دفء العلاقات الأسرية وإحياء قيم المحبة والتكافل في الأعياد.

رهف قمشري

المزيد...
آخر الأخبار