(غرناطة..آخر الأيام) .. وليد سيف يختتم ‏ملحمته الأندلسية بسؤال السقوط والمصير

في اللحظة التي تُسلَّم فيها مفاتيح مدينة غرناطة، لا يكتب وليد ‏سيف نهاية مدينة فحسب، بل يفتح سؤالاً قاسياً عن معنى ‌‏السقوط، وعن المصير الذي تنتهي إليه الدول حين تنهكها ‏الانقسامات من الداخل قبل أن يطرق أعداؤها الأبواب من ‏الخارج‎.‎

في روايته الجديدة “غرناطة… آخر الأيام”، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله “صقر قريش” بجزأيه، و”مواعيد ‌‏قرطبة”، و”خريف إشبيلية”، والتي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي‎.‎

من عرش غرناطة إلى مرارة المنفى
وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية‎.‎

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: “مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان”، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين‎.‎

قراءة مختلفة لشخصية أبي عبد الله الصغير
يعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي‎.‎

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: “ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال”، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته‎.‎

وفي هذا السياق، أشار الناقد أحمد الشريقي، في مقال نشره ‏موقع الجزيرة عام 2025، إلى أن وليد سيف قدّم شخصية أبي ‌‏عبد الله الصغير برؤية تاريخية مغايرة، سعى من خلالها إلى ‏تخليصه من الصورة النمطية التي حمّلته وحده مسؤولية سقوط ‌‏الأندلس، ووفق هذه القراءة، فإن ضياع غرناطة لم يكن فعلاً ‏فردياً معزولاً، بل نتيجة قرون من التصدع السياسي ‌‏والانقسامات الداخلية والتراجع الحضاري‎.‎

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف‎.‎

التاريخ بين الدراما والفكر
تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً‎.‎

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها‎.‎

وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع‎.‎

ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم‎.‎

يشار إلى أن رواية “غرناطة.. آخر الأيام” صدرت عام ‌‏2025 عن الأهلية للنشر والتوزيع في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط‎.‎

أما الكاتب وليد سيف فهو من مواليد طولكرم سنة 1948، ويُعد ‏من أبرز كتّاب الدراما التاريخية العربية، قدّم خلال مسيرته ‌‏أعمالاً بارزة، من أشهرها الرباعية الأندلسية ومسلسل “عمر”، ‏إلى جانب دواوين شعرية وأعمال فكرية ونقدية متعددة‎.‎

المزيد...
آخر الأخبار