تحية الصباح … تداعيات …!!

في منتصف ستينيات القرن الماضي , كنا في الصف الثالث الابتدائي , وكانت غرفة الصف مخصصة إضافة لصفنا , لصفين آخرين هما الأول والثاني وثمة غرفة صفية أخرى لبقية الصفوف وفي المدرسة معلمان أحدهما المدير والآخر غالباً ما كان معلماً وكيلاً … !! .

معلمنا في تلك السنة , كان على  قدر كبير من الحماس والعمل الجاد في مهنته , التي هي رسالة أكثر مما هي مهنة . وكان التلاميذ في تلك السنين , ينظرون إلى المعلم نظرة احترام وهيبة , فالمعلم كان مرشداً ووجيهاً ويؤخذ رأيه في الأمور العامة وحتى الخاصة أحياناً .

بفرح كبير نعود راكضين إلى المنزل بعد انتهاء الدوام المدرسي لنخبر أهلنا أننا حصلنا على درجة جيد جداً أو عشرة من عشرة أو ممتاز .

وكانت مكافأة الأهل على الأغلب عشرة قروش ( فرنكان ) وهذه القطعة النقدية تشتري عشرين حبة ملبس أو كرميلا ..!! وهذا معناه أن يوزع التلميذ على رفاقه أثناء اللعب بساحة القرية بعضاً من هذه..!!

غير أن أحدنا , وفي سابقة هي الأولى من نوعها في صفنا ,وربما في القرية , حصل على ليرة سورية واحدة ( بالتمام والكمال ) من والده , لأنه نال العلامة التامة في إحدى المذاكرات واحتفلنا مع زميلنا وتناولنا الحلوى والملبس وكنا ننظر إليه بشيء من الحسد البريء ( يعطيه والده ليرة بأكملها ) ..!!

!! وصرنا نتمنى أن نكون مثله ..!!

قبل أيام قليلة , التقيت هذا الزميل الذي صار كهلاً مثلي , وفي غرفة الصف نفسها التي تعلمنا فيها قبل خمسين سنة .. فقد تحولت المدرسة القديمة إلى مبرة للعزاء .. وكنا نقدم واجب العزاء .. قال لي : ( هنا كنت أجلس ..  وهذا مقعدي…!! ولكنك كنت تجلس هناك قرب الحائط في آخر الصف لأنك الأطول في الصف ..!! ). هذا اللقاء , جعلنا نتذكر أياماً بعيدة لن تعود ووجوهاً بعضها غاب إلى الأبد , وبعضها يعيش في المدينة وبعضها لم يبرح القرية ..!!

وقد ذكرني الزميل بحادثة , لا أزال أذكرها , لكنني قلما أتحدث عنها , لأنها صارت في ذمة الزمن ..وهي حادثة تدل على التربية الصارمة التي كنا نتلقاها وهي ذات حدين ايجابي وسلبي فقد وزعنا المعلم على المقاعد الموجودة في الصف .. وكان بيننا تلميذة وحيدة كان نصيبها المقعد الأول لوحدها , ورأى المعلم خلوف خلوف رحمه الله تعالى أن يجلسني بجانب التلميذة , فيصير في كل مقعد ثلاثة تلاميذ , والمقعد الأول للزميلة التلميذة ولي , وأمرني بذلك فلم أستجب ,حملني بيديه وأجلسني بجانب التلميذة التي احمر وجهها …

لكنني ما لبثت أن خرجت من المقعد وأنا أبكي !!

فأنا لا أجلس بجانب تلميذة ,.. لكن المعلم أعاد الكرة … وعدت فخرجت .. لأن التلاميذ سوف يعيرونني بأنني أجلس بجانب فتاة ..!!

كنت أبكي بكاءً حاراً .. والمعلم يقول لي إنها مثل أختك .. ألا تجلس بجانب أختك , وأنت مهذب ومجتهد ..!! لكن لم أقبل أبداً ..!!

عيسى إسماعيل

 

المزيد...
آخر الأخبار