تذكرني دائماً كلمة ” كان ” ومشتقاتها ، بإهداء صدّر به الدكتور وهب رومية كتابه الشهير / الرحلة في القصيدة الجاهلية / فيقول / الإهداء إلى التي كانت وكان وكنا وكانوا .. وفي كان وأخواتها تنطمر أحلى لحظات العمر ..!!/
فهل كان ما ” كان ” أفضل مما هو ” كائن ” حتى إن بعضنا لا ينفكّ يتغنى بالماضي الجميل وذكرياته وأحداثه ..؟!. فالماضي قد يكون جميلاً في بعض نواحيه ، وقد لا يكون كذلك . فعلى الصعيد الحضاري والتكنولوجيا التي هي اليوم في خدمة الإنسان ، كان الماضي يفتقر إليها وهذا كان يسبب له الشقاء ، فهل الشقاء جميل ؟!!.
تقول الدراسات الاجتماعية إن العرب أكثر أمة مغرمة بتاريخها وماضيها . وهذا قد يكون أمراً محموداً لأن الفخر بالماضي وعشقه سببه أحداث تدعو إلى الفخر ومآثر عظيمة تدعو إلى الإعجاب .. وتاريخ الأمة أي أمة فيه من المآثر ما يجعلها تفخر به …!!
غير أن المبالغة بتمجيد الماضي بشكل ما أو بآخر ، أمر غير محمود , فالماضي ذهب وانتهى ولنا منه العبرة والذكرى النافعة التي تدفعنا للعمل وصنع الحاضر الذي نعيشه .. وهذا ما ينطبق على تكنولوجيا العصر الحالي التي قدّمت للإنسان الراحة والعمل المنتج بشكل مدهش . أما في الماضي فلم تكن مثل هذه الوسائل متوفرة .. وهذا ينطبق على كل الأصعدة . فمن هذه الزاوية الحاضر هو الأجمل والأرقى .
غير أن أغلب الذين يرون في الماضي جمالاً ساحراً وبساطة مدهشة ينظرون إلى الأمر من الزاوية الاجتماعية البحتة, والعلاقات بين الناس علاقة الجار بالجار ، وأفراد الأسرة ببعضهم، من زاوية الأخلاق والقيم الاجتماعية . ولعلهم محقّون في بعض ما يرونه . فعلى صعيد العلاقات الاجتماعية فقد تدهورت واختفت عادات وتقاليد نفخر بها كانت في الماضي .
فاليوم لم نعد نوزع للجيران في رمضان مثلاً من الطبق اليومي الرئيسي ولم نعد نتلقى منهم شيئاً .. هذه المبادلات العفوية لأطباق الطعام اختفت إلى حد كبير . وقلّما نعرف من يسكن في البيت المقابل لنا ..!!. وهذا له أسبابه وربما مبرراته .
كنا نفاجىء الأهل والجيران والأصدقاء بزياراتنا ، فلا يدرون بنا إلا عندما يفتحون الباب . .
هكذا بلا موعد وبلا دعوة …!!. اليوم لا أحد يفعل هذا .. حتى عندما تزور أقرب المقربين عليك أن تهتف وتحدد موعداً .. لأن لدى هؤلاء أعمال ومشاغل وربما وقت الراحة والنوم لا يسمح لهم باستقبالك ، وأنت بالمقابل تتعامل معهم بهذه الطريقة العصرية الحضارية ، وهي عادة حسنة فرضتها ظروف العصر.
كان صاحب الدكان بعد أن يبيع زبونه الأول في اليوم يرسل الزبون الثاني القادم إليه ، إلى جاره لكي ” يستفتح ” لأنه لم يبع شيئاً … وهذا فيه ودّ وتكافل اجتماعي افتقدناه للأسف في هذا الزمن الذي لا يرى فيه التاجر إلا نفسه ومصلحته ..!!.
” كان ” هذا الفعل الناقص ، قد يكون جميلاً وقد لا يكون . فلماذا يصر بعضنا على وصفه بالجميل دائماً والتحسّر على ما فات وما حصل قبل عقود أو قرون ؟!!.
هل نحوّل ” كان ” إلى فعل مضارع ” يكون ” ونعمل ما فيه الخير لنا ولغيرنا .. حسب واقع الحال .. أم نستمر كما يفعل البعض بالحديث الذي يجلب السأم والملل :
( كان جدي وكانت جدتي .. وكان فلان .. وكان علاّن ) ونقول :
/ ليس الفتى من قال كان أبي
إن الفتى من قال إني أنا /
عيسى إسماعيل