تُعتبر الصّروح العلميّة في أي بلد من بلدان العالم أحد مقاييس التطّور ، ويعكس مدى الاهتمام بالمبدعين من أبناء المجتمع واحتضانهم و رعايتهم وتأمين عوامل التميّز وتوفير المناخ الملائم لإطلاق إمكاناتهم و قدراتهم ،يعكس هذا اهتمام الدولة لمواكبة التّطوّرات العالميّة في شتّى الاختصاصات.
ومن الاختصاصات الحسّاسة والهامّة في دورة حياة المجتمعات هي التّربية والتّعليم والصّحة ،كونها تتعامل مع الإنسان وهو غايتها ومن أجله تتطوّر هذه العلوم لتحقيق عوامل السّلامة والرّاحة والأمان وتوفير مناخات الإبداع والعطاء للأفراد ليكونوا مسلّحين بالعلم والمعرفة لبناء المجتمع والنهوض به إلى مصافّ المجتمعات المتطوّرة.
ومن الصّروح العلميّة الّتي أنجزت في حمص هي جامعة البعث ،والتي تعدّ رافعة هامّة للتقدّم العلميّ إن كان على المستوى المحلّي أو المستوى العالمي ، حيث توفّر البيئة المناسبة للأبحاث العلميّة التي يخوض في غمارها الباحثون من أبناء الجامعة أو من أبناء المجتمع الّذين لديهم أفكارا إبداعيّة ويحتاجون إلى حاضنة علميّة لهم لحلّ مشكلة علميّة أو مهنيّة محدّدة في مجالات الحياة المختلفة.
وضمن هذا السّياق تحقّق حلمٌ كبيرٌ لأبناء مدينة حمص بلْ ولأبناء المنطقة الوسطى في بلدنا الحبيب ، هذا الحلم تجلّى بمكرمة إحداث هيئة مشفى جامعة البعث التّعليميّ منذ عدّة أيّام ، والّذي يعدّ صرحاً علميّاًّ كبيراً نفتخر به وستفتخر به الأجيال القادمة،لما سيكون له من دور عظيم في تقديم العلاج الطبّي التخصّصي لأبناء المجتمع وبشكل مجانيّ والّذي كنّا نترقّب هذا الدّور الحيويّ منذ إحداث كليّة الطبّ البشريّ في الجامعة.
لا يتوقّف دور المشفى الجامعيّ على تقديم الخدمات الصحيّة والعلاجيّة لأبناء المدينة فحسب ،بل سيكون مفتوحاً لكلّ المرضى من كافّة أرجاء الوطن ، حيث تمّ تزويده بأحدث التّجهيزات الطبيّة وسيتمّ رفده بكافّة المستلزمات اللوجستيّة لتقديم الرّعاية الطبيّة وتقديم خدمات العلاج والاستشفاء من كافّة الأمراض وذلك وفق الاختصاصات الطبيّة العديدة المتوفّرة في هذا المشفى، خاصّةً وأنّ مدينتنا وبسبب ظروف الحرب الظالمة خسرت في المجال الصّحي المشفى الوطني الّذي كان يقدّم هذه الخدمات بشكلٍ واسعٍ ومجانيّ أيضاً لكلّ المواطنين.
والبعد التعليميّ والبحثيّ الهام في إحداث هذا المشفى ، هو تعليم طلاب كليّة الطبّ البشريّ و التمريض والعلوم الصحيّة، حيث سيوفّر لهم التّدريب العمليّ او ما يسمّى (ستاجات) وذلك في الاختصاصات الطبيّة كافّة ضمن رحاب الجامعة ، وسيتلقّون التعليم الأكاديميّ والتدريب العملي عالي المستوى من أساتذتهم و من نخبة الأطبّاء المتواجدين في هذا المشفى والّذين يساهمون بنفس الوقت بتدعيم البحوث الطبيّة الّتي تجرى على المستوى العلميّ للمساهمة بوضع أفضل الخطط العلاجيّة للعديد من الأمراض ودراستها وتطوير طرق الاستشفاء منها لتكون رافداً علميّاً وشريكاً في الأبحاث الطبيّة العالميّة والجهود الكبيرة الّتي تبذل في المجال الصّحيّ.
وهناك بعدٌ اجتماعيّ لا يقلّ أهميّة عمّا سبق ، وهو توفير العلاج للمواطنين دون الحاجة للذّهاب إلى خارج المحافظة ،ويعرف أهميّة هذا البعد من عانى خلال السنوات الماضية من حالات مرضيّة صعبة كان يضّطرّ المريض ومرافقوه إلى الانتقال لمدن أخرى ويتكبّدون مشقّة السّفر والإقامة في رحلة المريض العلاجيّة.
هكذا تنهض الأمم و ترتقي الدّول بالأخذ بأسباب العلم ، وتحقيق الإنجازات التي سيخلّدها التّاريخ ، وليس غريباً عن بلدنا الّذي دحر الغزاة وانتصر ،أن يبني شعبه هذه الصّروح العلميّة والحضاريّة .
منذر سعده