قالوا الوفاء دينٌ يُدانُ به، وما كان الوفاء في شيء إلاّ زانَهُ، ولا الغدر، الذي هو وجْهٌ من وجوه العقوق، إلاّ شانَه، والوفاء لا يكون متعلّقاً بالإنسان وحده، على أهميّة ذلك، بل هو مبثوث في عالم الحيوان ،حتى لكأنّه خُلُقٌ يُتخلَّق به، فالوفاء للوطن يُوجب التضحية بالروح، وهي أغلى ما يملكه الانسان، ولقد مُدح الانسان الطيّب بالوفاء، بل مَدحوا الوفاء حتى في العجماوات، فوصفوا الخيل الأصيلة بالوفاء، فهي لا تترك فارسها إذا وقع، بل تقف قربه تنتظر نهوضه، وكتب التراث العربي مليئة بقصص الوفاء، كما هي محشودة بقصص الغدر، حتى لكأنّ بياض الوفاء لا يتّضح إلاّ بسواد العقوق، وهذا البساط الذي فرشناه هو مقدّمة عن العقوق الذي أصاب هذه المدينة من أبنائها، وما أشنع عقوق الأبناء، وأنا هنا أتحدّث عن جميع الذين قُلِّدوا وظائف رسميّة لها علاقة بالمساحة التي سوف تتّضح أكثر، ومعظمهم من أبناء هذه المدينة إن لم يكن كلّهم،
العقوق الأوّل، بحسب الأقدميّة الزمنيّة هو إنشاء مصفاة حمص غربيّ المدينة، حيث لا يتوقّف هبوب الهواء الغربي، ولعلّ من يقول هذا حدث وانتهينا، فأقول لا لم ننته، لأنّ الأضرار النّاجمة عن المصفاة يمكن تخفيضها إلى الحدود الدنيا، وقد جرى شيئا من هذا، ولكنه ليس كافياً، لا سيّما وأنّ بعض صبيب المصفاة يصبّ في نهر العاصي، والذي يشكّل نقطة مركزيّة في مسألة التلوّث الذي أصاب هذه المدينة، ولقد أثير الموضوع قديما وستظلّ آثاره قائمة ما استمرّ التلوّث القاتل، وهنا نشير أنّ في العالم الصناعيّ مدناً ما تبثّه معاملها أضعاف أضعاف ما يُبثّ في أجوائنا، وقد اوجد الإخلاصُ لها حلولا حقيقّية يعرفها أصحابها.
العقوق الثاني إنشاء معمل السماد على ضفاف بحيرة حمص، تلك البحيرة التي كانت مركز انتجاع للمدينة، وخزّاناً للسمك، وكانت آنذاك مياه العاصي مياهاً شروبة نظيفة، وحين لا يذهب التفكير والاهتمام باتّجاه مصلحة العباد، ويُغلَّب منطق الفائدة الاقتصاديّة، فذلك يعني أنّ ما قد ينتج عن الفعل من الربح المادّي ، هو أهمّ بكثير من صحّة السكّان، وتركَ ذلك ما ترك من تلوّث فظيع، نتيجة صبيب مخلّفات هذا المعمل في مياه البحيرة، ففسدت المياه، وماتت الأسماك التي كان يعتاش منها السكّان المجاورون للبحيرة، وأصبحت بلدة قطّينة المجاورة تعاني من الأمراض النّاتجة ما لم تعرفه من قبل، وأثّر ذلك حتى التربة وخصوبتها، وانتشار السرطان فيها، ورغم رفع الأصوات في الكثير من المناسبات فإنّ أحداً من المعنيّين لم يلتفت إلى ذلك، وظلّ التلوّث، بنتائجه الصحيّة القاتلة هو سيّد الموقف!!،
العقوق الثالث، وليس الأخير هو ما آل إليه أمر نهر العاصي، هذا النّهر الذي يسقي بساتين حمص، ومن مياهه تُروى نباتاتها وأشجارها وفاكهتها، .. صار مثالا للتلوّث منذ دخوله في بحيرة قطّينة وحتى مصبّه، في الاسكندرون المحتلّ، وهذا يعني أنّنا نتناول ثمارا وفاكهة ملوَّثة، وفي ذلك ما فيه من الأخطار على صحّة المجتمع،.. هذا النّهر أُتيح لي قبل ثلاث سنوات تقريبا أن أقف على ضفّته فشممتُ رائحة كريهة تُذكّر برائحة الجيَف، فسألتُ عن ذلك فقيل لي هذه رائحة مياه النّهر، فانتشرت في روحي غمامة من الأسى والغيظ،..وهنا يأتي دور مؤسسة كبيرة من ضمن مسؤولياتها تعزيل مجرى النّهر، فما الذي فعلتْه هذه المؤسّسة،؟!!
حمص التي كانت تُسمّى ” العديّة”، -وفصيحها ” العذيّة” -، والتي تغنّى الرحّالة بطيب هوائها، وصفاء مياهها، و وروفة بساتينها، وطيب أهلها، وانفتاحهم، .. هذه المدينة تعاني ممّا أصبح معروفاً وشائعا، والتقصير في ذلك يقع على عاتق أبنائها الذين عُهِد إليهم بمسؤوليّات المواقع التي ذكرناها، كما أنّ المسؤوليّة لا تعفي مجلس مدينتها، ومكتبها التنفيذي، لأنّهم يستطيعون تحريك الرّاكد لو صحّت الهمّة والنيّة، ..حمص هذه لم تعد كما كانت، وكما عرفناها في شبابنا، وكما قرأنا عنها في الكتب، فهل ثمّة صحوة تجعلنا نستبشر بأنّ القادم أنظف؟!! ..
عبد الكريم النّاعم