توقف ضيفي عند المكتبة التي شغلت رفوفها جدارين من الغرفة وقال لي:
(من أين لك هذا ؟!) ، وعلى الرغم من أن السؤال يثير شيئاً من الغرابة في النفس ، ولا أقول الاستهجان ، غير أنني حاولت أن أقنع نفسي ببراءته، فقلت له:
“تعودت أن أشتري الكتب مذ كنت في المرحلة الثانوية، فكنت بدل أن أشتري “سندويشة” فلافل من مستخدم المدرسة (أبي سقلان) في ثانوية الفارابي بحمص، في سبعينيات القرن الماضي ، كنت أدخر ثمن “السندويشات” لثلاثة أيام وأذهب فاشتري كتاباً من بائع الكتب الشهير الذي اعتاد لعقود أن يعرض كتبه في الحديقة المقابلة لدار الحكومة ، وبهذه الطريقة حصلت على كتبي الأولى وهي روايات نجيب محفوظ وحنا مينة وجودة السحار وإحسان عبد القدوس وغيرهم من كتاب الرواية المصريين، ففي تلك الأيام لم نكن نعرف أن في سورية روائيين سوى حنا مينة وعبد السلام العجيلي رحمهما الله ، وكنا قد سمعنا بالعجيلي من خلال بث المسلسل الإذاعي / باسمة بين الدموع / من إذاعة لندن .
قرأت /زقاق المدق/ لنجيب محفوظ مرات عديدة ، فدهشت بها ، وقرأت /باسمة بين الدموع/ للعجيلي , تمتعت بقراءة /سيدة في خدمتك/ لإحسان عبد القدوس و /بين ظلال الزيزفون/ للمنفلوطي وهذه /الظلال/ لها في نفسي وقع كبير ، وتأثير عظيم ، لأنني بعد سنوات عديدة ارتبطت بامرأة اسمها /ظلال/ هي زوجتي، أثابها الله، فقد كانت تحاول أن تجعلني أعتدل في شراء الكتب ، لاسيما ونحن في بداية زواجنا نحتاج إلى أثاث للمنزل.. فالأهم برأيها هو تأمين الأثاث ثم تأتي الكتب والمجلات التي كنت أحملها إلى المنزل في القرية.
وبعد ذلك بسنوات كنت في مهمة رسمية في مطار دمشق الدولي، والتقيت السيدة الدكتورة نجاح العطار، فقال لها زميلي:
(هذا الشاب يقرأ كثيراً .. وليس لديه المال الكافي لشراء الكتب …!!)
ابتسمت “وزيرة الثقافة- في حينها-” وقالت بهدوء موجهة الكلام لي (غداً الساعة العاشرة … تفضل إلى مكتبي..!!).
وفي اليوم التالي كنت في وزارة الثقافة في الروضة ، وما أن قدمت نفسي لمديرة المكتب حتى قالت لي أنت الذي أعطتك السيدة الوزيرة الموعد في المطار يوم أمس؟! ) فأجبت بالإيجاب، فأعطتني ورقة موقعة بالقلم الأخضر تنص على إهدائي مئة كتاب أختارها من بين منشورات وزارة الثقافة ، وكانت تلك الكتب تشكل نواة مكتبتي المنزلية .
ولا بأس أن أذكر أن عدداً كبيراً من الكتب حصلت عليها كهدايا من الأدباء والمؤلفين ، في مدينة حمص .
أما المجلات الثقافية والفكرية فقد اعتدت شراءها وعندي من بعضها عشرات الأعداد .
إنني أعتبر المكتبة الجزء الأهم من أثاث المنزل.
صحيح أنني لا أستطيع قراءة كل الكتب، لكنني أطلع على محتواها بشكل مختصر أما الروايات والقصص وبعض الكتب السياسية فأقرأها ، وربما أعدت قراءتها مثل كتب محمد حسنين هيكل رحمه الله .
سألني أحدهم وهو يراني أحمل كتاب” إعراب القرآن وبيانه” بأجزائه الاثنين والعشرين للمغفور له الشاعر والباحث محي الدين الدرويش (توفي عام 1982) وسألني هل اشتريته؟ فأجبت نعم.. وسألني عن سعره فقلت سعره ألفا ليرة سورية وكان ذلك قبل عشرين سنة، فقال لي على الفور باستنكار: أنت مجنون..!!!
فهل أنا مجنون…؟!! ).)
يقولون ( من أين لك هذا ) لمن عنده قصور وأملاك وسيارات ومزارع وأموال … وليس لمن عنده مكتبة وكتب يعتبرها أثمن ماجنى في حياته!!.
عيسى إسماعيل