كان عمري خمسة عشر عاماً، كما أخمّن الآن، أي في عام 1950، وفي ذروة التفتّح، والأحلام، والقهر، فما يكاد يسعني شيء إلاّ الكتاب الذي كنت أكتشف مافيه، فأقرأ مايقع بين يديّ، على قلّته، فلم أكن قادراً على شراء الكتاب أو المجلّة إلاّ عبر تخصيص مايُعطى لي فأشتري به المجلاّت التي فات أوانها، وبين الحلم والواقع كانت تمرّ الأيام بمرارة مزدوجة، مرارة عدم القدرة على الشراء، ومرارة الأحلام التي هي باتّساع الأفق.
ذات ليلة كنت نائما أنا وأحد أخوالي في الغرفة التي خُصِّصت لي، غرفة من اصل غرفتين من ( اللِّبْن) الدافيء الحنون، والعلاقة بيني وبين هذا الخال علاقة صداقة حميمة، أبوح له بما أحمله دون حرج، وكان شفّافا، ومُحِبّا للشعر لاسيّما أشعار العذريّين الذين كان يحفظ الكثير منها، ويردّدها مخطئا في تشكيل الكلمات، دون خلل بالوزن، فجأة أفقتُ مذعوراً على ألم عميق في الجهة اليسرى من منتصف ظهري، أحاول أخْذ نفَسٍ فآخذه من حدّ سكّين مغروسة فيه، وبدأت أصوات الألم تصدر غصبا، فاستيقظ خالي فزعا، وقال:» مابك»؟! قلت بألم :» لا أدري لا أستطيع أخْذ التنفَس إلاّ بصعوبة»، وعلى أثر ماأصدرنا من أصوات جاءتْ أمّي، وتعلمون قلب الأمّ، فسخّنتْ قطعة من قماش، ووضعتْها مكان الألم، وكرّرت ذلك عدّة مرّات، فلم يتغيّر الحال، وكنت عاجزا عن الاستلقاء لأنّ الألم يشتدّ، فجلستُ حتى الصباح مُسْنِدا ظهري إلى حاجب السرير، وكان عدد الأطبّاء في حمص يُعدّ على الأصابع، وما من مراكز إسعاف،الطبيب الذي ذهبتُ إليه، وجهه لايبشّ لمُراجعه، لاسيّما إذا كان من طرف تلك الشركة التي يعمل فيها والدي،،وخاصّة الشّغّيلة، شكوتُ له وأنا أتألّم، واسحب نفَسي بصعوبة، فوضع السمّاعة على ظهري، ثمّ أحضر ( جاطاً)، وغرز إبرة طويلة في ظهري، وبدأ يفرّغ مايسحبه في ( الجاط)، فانتشرت رائحة مؤذية، وحين انتهى من سحْب ماسحَب، كتب لي على أكثر من عشرين إبرة، خرجتُ وقد زال الألم، وبدأت بأخذ الإبر، غير أن سوء الحظّ ساق في طريقي صاحباً من عمري، وحين شكوت له ماحدث، قال لي بلغة واثقة هذا اسمه «ذات الجنب»، وهو مرض كلّما فرّغوا ماءه من الرئة، يعود من جديد، وهكذا حتى يأتي الأجل، فزرع في نفسي خوفاً مُقيما لايبرح، وأنا الذي منذ وعيت وفكرة الموت ترقد بجانبي، ولا أدري كيف تمّ الشفاء.
هنا لابدّ من ذكر أنّ من الحقنات التي حُقنت في وريدي أكثر من مرّة، حينَ تُفرَّغ في وريدي أشعربسخونة عالية، حتى أنّ جزء منها كان يخرج من أنفي، وحلقي ، وفمي، هذا في زمن لم يكن فيه من التّوعية الصحيّة إلاّ ماسمعناه من تجارب مَن سبَقَنا، وهي تجارب محدودة وغير موثوقة.
ذات مرّة، هذه الحُقنة، أعطاها الدكتور نفسه لخالي الذي كان نائما في بيتنا في تلك الليلة الخنجريّة، فبدأت السخونة تمشي في أوصاله، فأصيب بشيء من البَهْت، وحين زجره الطبيب وقال له :» قمْ ، ظلّ خالي جالسا في مكانه، ينظر إلى الطبيب بخوف وحذر، فزجره الطبيب مرّة ثانية وبحدّة أكبر من الأولى، فردّ عليه:» وحّد الله، شو قوم؟!! وين أقوم؟!! مابعرف إذا عملت شي بتيابي»!! فأدار الطبيب وجهه، وأخفى ضحكة كتمها، هذه حين انتشر الوعي الصحيّ علمنا أنّها حُقنة كالسيوم.
ياللّه، إنّني حين أستحضر بعض تلك المقاطع، فلكي تُدرك الأجيال التالية أين كنّا، وأين وصلنا، على مانحمله من انتقادات وشكاوى مُحِقّة، ولكي ندافع عن مكتسباتنا، ونصرّ على ألاّ نعود إلى الوراء في أيّ من مجالات حياتنا …
عبد الكريم النّاعم